انتقل إلى المحتوى

OkBaH's Observations Blog – مدونة متابعات عقبة مدونة متابعات عقبة (مدونة عقبة مشوح) – الحياة طويلة بجلائل الأعمال، قصيرة بسفاسفها – مدونة شخصية ثقافية سياسية تقنية إعلامية سورية

التدوينات الموسومة بـ ‘المسيري’

في الذكرى الثانية لرحيل الدكتور عبد الوهاب المسيري

الجمعة, 2 يوليو, 2010

قبل يومين حادثني فهد قائلا: يوم الجمعة القادم هو ٣ يوليو! ألا يعني ذلك لك شيئا؟ قلت له فورا بلى لم انس يافهد.. وهل يستطيع مريد مثلي نسيان استاذه ومن اثر فيه بشكل كبير.. في فكره وعقله..!! هل يستطيع مثلي نسيان من جالسته ببيته مرة يتيمة قبل وفاته بعام.. هل يستطيع مثلي نسيان الدكتور والمفكر الكبير عبد الوهاب المسيري رحمه الله!

لم انس طبعا لكني قلت لفهد -الذي شاركني في اطلاق الندوة التدوينية حول فكر الدكتور المسيري رحمه الله العام الفائت بمناسبة الذكرى الاولى لوفاته على مدونته “سم ون” ، قلت لفهد: لكن حقا اشعر انه لم يبق لدي مااقوله.. قلت كثيرا عن المسيري عند وفاته وفي ذكراه الاولى ومابين ذلك ومابعده.

كتبت سابقا عن لقاءنا في منزله الجميل والبسيط في هيلوبوليس والمعروف “بديوان المديرية ١٨٨١” كتبت عن انطباعي عن هذه الزيارة الجميلة واليتيمة في ٢٠٠٧

وكتبت عنه في ذكراه الاولى عن المسيري الانسان ملامح من حياته وشخصيته.

واقترحت فكرة الندوة التدوينية عن المسيري واعلنت عنها وحشدنا لها المشاركين وحددنا لها المحاور وشرفني فهد باستضافتها

وناقشت شيئا من فكر المسيري من الدكتور السيد ولد أباه وتحدثت عن ذلك في رحاب الفلسفة والسياسة.

وفي مدونة عروج ازرق تلقيت دعوة كريمة للمشاركة في نقاش بعض افكار المسيري حيث استعرضنا الفصل الاول من الكتاب القيم “رحلتي الفكرية” والذي هو خلاصة فكره وحياته وعلقه ومؤلفاته، مع عدد من الاخوة والاخوات (ساستعرض ماكتبت هناك في الاسفل هنا).

الا يكفي التذكر والبكاء وسرد الخواطر والمراثي على هذا المفكر الكبير!!.. بلى.. يكفي.. فقد جمعتني الاقدار قبل اسابيع برفقة الاخ شاكر السفياني مع الاخ الفاضل حسن الغامدي في مقهى الكتاب حيث تناقشنا في سبيل تنزيل افكار المسيري واقعا وتقريبها لاذهان الناس خصوصا ان هذا المفكر الكبير نحت وابتكر الكثير من المصطلحات والمفاهيم الجديدة الخاصة به والتي استخدمها في موسوعته.

واقترح الاخ حسن وقتها فكرة قيمة على شاكلة مشروع كتابي تدويني متعدد الوسائل لشرح ادوات المسيري الفكرية عن طريق ضرب الامثال لكل مفهوم حتى يتضح بشكل اكبر وبذلك يكون هذا خطوة مهمة في سبيل تطبيق تلك الافكار القيمة.

كمثال على ذلك “الجماعات الوظيفية” التي راينا الكثير مثلها عبر التاريخ كفرقة الانكشارية في الجيش العثماني التي ادت دورا مهما وتم انهائها بعد ذلك ..وكذلك كجماعة البرامكة في الدولة العباسية والاتراك لاحقا فيها.. وامثلة اخرى من الواقع الحديث، وخكذا مع بقية المصطلحات والمفاهيم.

الحقيقة ان هذا مشروع مهم ولا بد منه لولا اني اجد انشغالا كبيرا عنه ولا يكفي له شخص واحد بل لا بد من التآزر خصوصا لمن احاط علما وقرأ اغلب مؤلفات المسيري رحمه الله واستوعبها لاغير. لكن سنسدد ونقارب في سبيل ذلك.

كلمة اخيرة لبعض الشاذين.. من شواذ الأمة وممن ابتلينا بهم، ممن ضل سعيهم، ممن وجهوا سهامهم للمسيري واتهموه بخدمة اليهود والصهيونية وهو من افنى حياته حتى مرض في سبيل محاربتهم بالفكر والكلمة.. اولئك مقلوبو العقول..

انتم اقل من ان يرد عليكم.. او يلقى لكم بال.. لانكم لم ولن ترتقوا الى عقلية المفكر والباحث العلمي الامين.. والمسيري رحمه الله لم ولن يضع تراثه وحمله وفكره الذي خلفه على حمار اعرج! بل هيأ الله له من يخدمه وينشر فكره الثمين جزاء ما قدم ولن يضيع الله اجره.

في ذكراك الثانية وقد فارقتنا ايها المفكر الكبير لا اقل من ان احبس دموعي وانا اتذكر مرثية الشاعر الفراتي في الشيخ العرفي-رحم الله الجميع:

قلت يوما وكنت عدلا سويا

لاتخف ان تموت مادمت حيا

صدق الزعم ثم مت امامي

فاطو دوني مراحل الخلد طيا

رحم الله المسيري واجزل له الثواب جزاء ماقدم لدينه وامته.

1

لن أنسى ذلك اليوم اليوم الذي اقتنيت فيه كتاب الدكتور عبد الوهاب المسيري عليه رحمات ربي – ذلك الكتاب الذي تلهفت عليه وله كثيرا وجعلته أحد أهدافي من رحلتي الجميلة إلى أرض الكنانة.. قال لي يومها الصديق والكاتب الأستاذ حسام تمام بعد أن خرجنا من نقابة الصحفيين المصريين.. لدي موعد مع صديق مغربي ، فما رأيك بالذهاب إلى مكتبتي مدبولي والشروق تتجول فيهما قبل أن نذهب سوية إلى منزل المسيري الوادع في هيليوبوليس لزيارته؟
تحركت من فوري في شوارع القاهرة المزدحمة والحيوية والتي تشعرك بالإنتماء والألفة وقصدت ميدان طلعت حرب حيث مدبولي وامامها الشروق.. تجولت فيهما وعندما وقعت عيناي على (رحلتي الفكرية) انتزعته من الرف فورا لكن لم أكن أملك الجنيهات الكافية لشرائه ، ولم يتبق لدي إلا ريالات، فرجعت أحث الخطى نحو صرّاف قريب أستبدل به نقودي، والعرق يزخ من جبهتي في صيف المحروسة الحار جداً!
اقتنيت الكتاب أخيرا وأخبرني الأستاذ حسام أن أقدمه للمسيري لكي يكتب إهداءا أو ماشابه عليه، لكنني بحق وبعد أن رأيته في مرضه الأخير وحالته الصعبة، أشفقت عليه من مجرد التوقيع على الكتاب أو حتى أن يراه خارجاً من كيسه!
قضيت الليالي اللاحقة -ليالي مدينة 6 أكتوبر اللطيفة- حيث الجو أفضل، قضيتها في قراءة الكتاب، وبصدق أخذ مني أكثر من عشرة أيام بقليل، حيث لم يجدي معه إلا قراءة متعمقة ودراسة وتفكير وتسجيل للهوامش والملاحظات، كنت خلالها حين حين انتقل لمكان عام حيث لا ورقة ولا قلم أنتزع جهازي الجوال لأسجل فيه ماأقتبس ومايخطر على بالي من أفكار وملاحظات. لقد غيّر هذا الكتاب الرائع طريقتي في التفكير وفي التحليل ، في النظر إلى الأشياء في التفكير في معنى الحياة والإنسان والوجود، وأغراني ذلك بشراء المزيد من الكتب للمسيري، رغم أن هذا الكتاب (رحلتي الفكرية) يكفي لغير المتخصصين حيث يجمع أشتات وملخصات حياته الفكرية والتأليفية والثقافية وتحولاته، فهو الجامع الآسر.
كانت هذه مقدمة لا بد منها، وأشكر الأخت الفاضلة آلاء على إتاحة هذه الفرصة لنا، وإثارة مكامن صدورنا وعقولنا من جديد لكي نقلّب التربة الفكرية حيث تختبئ أفكار المسيري وعلاماته الفارقة من جديد.. عل وعسى تتنزل هذه الأفكار والنظريات إلى أرض الواقع، لتدب الحياة في أمتنا من جديد وتلوح تباشير النصر القادم!
كما أشكر الأستاذ الفاضل أماليد على ثقته الغالية وشرف الأستاذية الذي لا أستحقه ولم أصل إليه، ويكفيني ثناءه من شرف..

2

الصبر الكبير هو ماأدهشني إلى حد بعيد في شخصية المسيري رحمه الله، هذا ماتبادر إلى ذهني في أول صفحة من الكتاب حيث المقدمة.
المسيري كتب الموسوعة عدة مرات في أكثر من ربع قرن، حيث لم يرض أبدا في كل مرة عن الكثير من التفاصيل والمفاهيم والإدراكات..! صبر عجيب لا يسعه أحد حينما نعلم أنه في ذروة كتابته لها كان يبدأ من السادسة صباحاً إلى الثانية عشر ليلا (ثمانية عشر ساعة!) يوميا حتى أحس بالغربة والإنعزال الكبير عن مجتمعه!!
الصبر الكبير حينما طرح أحدهم عليه سؤال وإشكالية فكرية فلبث فيما ثلاثة أيام بلياليهن يفكر في الإجابة والحل!
وهذا مافعله في الكثير من كتبه ومنها الموسوعة التي تتمثل في ثلاثة أشياء:
الثمر: وهي الأفكار.
الجذور: وهي حياته الثقافية.
البذور: وهي تكوينه في مدينته دمنهور.
وبهذا جاء هذا الكتاب الذي يمثل رحلته الفكرية وقصة حياته كمثقف عربي مصري، كيف نشأ وعاش وكيف شكّل ذلك كل أفكاره وتحولاته واعتقاداته إلى مرحلتها النهائية!
وهو بهذا سلك نهج موضوعي في سرد سيرته هذه ولم يغرق في التفاصيل والأسماء والخصوصيات التي لا تهم القارئ، وإنما كيف أثرت بعض الأحداث والقت الضوء على افكاره وتكوينه الثقافي لنجد أدبا جديدا وطريقة مبتكرة لم يسبقه إليها أحد في كتابة مذكراته وتفاصيل حياته.
وهذا مانلحظه في الفصل الأول حيث انتقل فجاة من مجتمعه الطفولي في دمنهور والحكايات والألعاب والشعبيات إلى مرحلة الوعي بالموت والمرض .. ! وكأن الحياة ..تلك الحياة القصيرة من السهل أن تختزل بجرة قلم.. وهي فعلا هكذا.. وماأشبه الولادة بالموت لمن يتبصّر!

3

اقتباسات
“المعرفة الإنسانية أساساً معرفة مقارنة”
“اكتشفت أثناء عملي بالتدريس أن ضرب الأمثلة ورواية القصص ينقلان للمتلقي الأفكار المجردة الصعبة بسهولة ويسر”
“بنية النموذج (الثمر)لاسكونية وثابتة وتكاد تكون خالية من الزمان، وعناصر تكوينه (البذور والجذور) متحركة وعنصر الزمن والتاريخ فيها أساسي، ولا يمكن فهم حياة إنسان أو أي ظاهرة إنسانية أو طبيعية إلا بمعرفة العلاقة بين الواحد والآخر”
“هذه الرحلة الفكرية بمعنى من المعاني هي محاولة لتكشف القلق الشخصي الذي تحول إلى قلق فكري، أدى بدوره لبلورة مجموعة من الأسئلة”
“وهي قصة بحثي كمثقف عربي عن اداة بحثية جديدة تتفق ورؤيته وإدراكه وتيسر عليه تحليل النصوص والظواهر التي يتعرض لها بالبحث والتحليل كما تيسر له توصيل فكره لقرائه”
“النموذج هو رؤية تصورية أو خريطة معرفية يجردها عقل الإنسان (بشكل واع أو غير واع) من الوقائع والأحداث التي تقع له، والظواهر التي يرصدها، والدراسات التي يقرأها) ”
“ثم تترسخ هذه الصورة تدريجيا في ذهن الإنسان ووجدانه ووعيه ولا وعيه بحيث لا يمكنه أن يرى الواقع إلا من خلالها”

4

في نهاية المقدمة يتسائل المسيري هل النمط الجديد الذي اختطه في كتابة هذه السيرة -والذي أشرت إليه سابقا بأنه بالفعل أدب جديد! – يتسائل هل هو نمط أدبي جديد أو مختلط؟ ويدع ذلك الحكم للقراء والنقاد.
وأنا الحقيقة أدعو كل مبدع عربي وكل من ترك بصمة في تاريخ أمته وكل مفكر مهم أن يختط هذه المنهج في كتابة سيرته ومذكراته.. اعتمادا على الموضوعات والنماذج والإشكاليات لا اعتمادا على الخط الزمني والأحداث الحياتية الشخصية التي قد لا تقدم جديداً للقارئ.
وهو ماقاله المسيري عندما دعا المفكرين العرب إلى “كتابة سيرهم غير الذاتية غير الموضوعية التي تحتوي على تلخيص لأفكارهم وبذورها وكيفية تشكلها ليضعوا خبرتهم تحت تصرف الأجيال الجديدة”
“ومما يجعل المسألة أكثر إلحاحاً تعاظم الفجوة بين الأجيال مما يؤدي إلى عدم توارث الحكمة والمعرفة، وأخشى ماأخشاه أن تبدأ الأجيال القادمة من نقطة الصفر”
وانا أتسائل: هل خشية المسيري حقا في محلها؟ وماهو وضع الأجيال العربية الحالية ؟ وماهي أفكارها واهتماماتها ومشاغلها وهمومها؟ وهل أصلا ستبدأ وبغض النظر عن نقطة الصفر!
عندما أنظر إلى واقع أمتنا العربية، حيث مايقارب من نصفها يعاني الأمية، حيث للشر أبواق كثيرة وأصوات أعلى وأعلام عديدة! حيث التخلف يضرب أطنابه هنا وهناك! حيث نعاني من الحروب والمجاعات والمشاكل التي لا حصر لها! يصيبني التشائم بحق وأدرك أن العمل كثير ولا نهاية له والثقل يقع على عاتقنا نحن من نظن أنفسنا بالمثقفين والنخب والمتنورين! فلا وقت للفراغ وللتسيب ولا لسفاسف ألأمور ، وهذا هو شان أصحاب الرسالة. منذ أيام شاهدت الدكتور جميل القدسي الدويك -طبيب تغذية وأمراض متميز- على قناة اقرأ يقول إني لا أنام سوى ثلاث أو أربع ساعات في اليوم لإنني صاحب رسالة ولست كباقي البشر! أتسائل هل فعلنا مثل ذلك؟ ولما نعاني أحيانا من الفراغ والزهق والإكتئاب؟ هل هذا شان وديدن أصحاب الرسالات حقا؟!
حينما ألتفت للمدونات العربية أجد الكثير منها متميز بحق وأجد شبابا واعيا ومثقفا معتدلاً يأسرني بشدة ويلوح في ناظري الأمل الكبير بهذا الجيل الذي يخشى عليه المسيري أن يبدأ من الصفر-! ولو أن نسبة ذلك قليلة جدا من الشباب العربي! – وأدرك أن هنالك الكثير من الشباب المتفوق والمتميز لكن تفوقهم وتميزهم هذا لم يتعد نفسهم فكانوا كالأرض الصلدة اختزنت الماء لكنها لم تنبت الثمر والشجر.. وماأكثر هؤلاء! فدعوتي إليهم أن يخدموا غيرهم ويزكوا علمهم ويعيشوا من أجل غيرهم كي توهب لهم حيوات لا حياة واحدة، وكما يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في رسائله إلى أخته:
“عندما نعيش لذواتنا فحسب، تبدو لنا الحياة قصيرة ضئيلة، تبدأ من حيث بدأنا نعي، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود إ..أما عندما نعيش لغيرنا، أي عندما نعيش لفكرة، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض !!إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة، نربحها حقيقة لا وهمآ، فتصور الحياة على هذا النحو، يضاعف شعورنا بايامنا وساعاتنا و لحظاتنا. و ليست الحياة بعدد السنين، ولكنها بعدد المشاعر. وما يسميه ” الواقعيون ” في هذه الحالة ” وهما ” هو في الواقع ” حقيقة ” أصح من كل حقائقهم!.. لأن الحياة ليست شيئا آخر غير شعور الإنسان بالحياة. جرد أي إنسان من الشعور بحياته تجرده من الحياة ذاتها في معناها الحقيقي! ومتى أحس الإنسان شعورآ مضاعفا بحياته، فقد عاش حياة مضاعفة فعلا…يبدو لي أن المسألة من البداهة بحيث لا تحتاج إلى جدال !…إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة، حينما نعيش للآخرين، وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين، نضاعف إحساسنا بحياتنا، ونضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية!.”
فهي دعوة إلى كل متميز ومتفوق لكي يخدم غيره وينشر علمه من خلال المدونات خصوصا وباقي الأدوات الحديثة الأخرى كالمواقع والمجموعات وبقية الوسائل.
وعملنا هنا من خلال مدارسة رحلة المسيري الفكرية وتلخيص أفكارها وتبسيطها ومحاولة تنزيلها على أرض الواقع أحسب أنه من باب نشر العلم وحتى لا نبدأ من الصفر وحتى لا ينقطع عمل المسيري رحمه الله في قبره عندما ترك “علما ينتفع به”
لعلي أعود غدا ان شاء الله للحديث عن أفكار الفصل الأول.

5

تعليقا على ماكتبه الأخ أماليد عن العمارة والزخرفة الإسلامية، أقول إن هذا الفن الحضاري الأصيل أكثر ماكان يجذبني في تاريخ الأمم المتعاقبة منذ بني أمية وإلى الآن، لقد سحرتني هذه العمارة وهذه الزخرفة بكل تفصيلها وشواهدها التي قامت بها حضارتنا الإسلامية وأنتجت بها روائع وتحف فذة من طنجة إلى جاكرتا، والعجيب أن هذه المادية الظاهرة كانت مليئة كل الملئ بالروحانية والشفافية حتى إنها لتنقلك إلى عالم آخر أرحب وأوسع.
ومما جدت به بعد قرائتي للرحلة الفكرية للمسيري وبالتحديد الجزء الذي يتكلم به عن العمارة والفنون الإسلامي:
” العمارة والزخرفة الإسلامية والخط العربي هما أرقى معاني الفن والجمال للإحساس بالحياة والإنفصال عن المادية بالمادة” وأمضيت: عقبة.
لقد اكتشفت أن هذه العمارة بالإضافة إلى الطبيعة الساحرة هما مايقودان إلى ماأسميته “الجمال النفسي” وقلت فيه: ” الطريق إلى السعادة والراحة في هذه الحياة هو الجمال النفسي”. وقلت فيه أيضا: “الجمال النفسي يحتاج إلى جهاد ومران وتجربة طويلة وتنشأة صحيحة لكي يتحقق ويترسخ وبه تصفو الحياة وتسمو”.
ولعل “الجمال النفسي” الذي أقصده هنا ، هو ماكان يقصده شيخ الإسلام رحمه الله: “أنا جنتي وبستاني في صدري” وما قال عنه أيضا: “نحن في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها”.
لقد أحب هذا المسيري أيضا، ولعلكم مررتم في آخر الكتاب على قصته الطويلة في إنشاء بيته وتصميمه أكثر من مرة حتى يصل إلى مستوى مرضي يشعر به بالـ “الجمال النفسي”. لقد دخلت إلى هذا المنزل المبارك، وعندما ولجت من باب “ديوان المديرية” كما يسمى وصعدت السلم الضيق ودخلت باب الشقة أحسست نفسي انتقلت قرون عديدة للوراء ممزوجة بقرون حديثة حيث كانت الدولة العباسية ومباهج عمارتها هي والأندلس وعوالم “الأغاني” و “ألف ليلة وليلة” و “سندباد” تلك العمارة المدهشة والساحرة حيث الزخارف والمشربيات والخشب المعتق والزوايا وأنصاف القبب. عالم رائع و”جمال نفسي” لا حدود له. ولعل الله بدله الآن بما هو أفضل وأبقى.. مالاخطر على قلب بشر. بإذن الله.
لقد أحب المسيري مثلا مسجد ابن طولون بعمارته المتميزة والساحرة (متحف الدوحة الحديث استوحاه مصممه من أجزاء من مسجد ابن طولون) لذلك كان يزوره كثيرا وكان يجد في راحته وسعادته النفسية.
ومن هنا استوحيت في تصميم مدونتي، تلك القبب الإسلامية الرائعة التي تسحرني وتروقني كثيرا، كما أراها في تاج محل وطشقند وعشق آباد والري واسطنبول..وغيرها من حواضر العالم الإسلامي..حيث كنا وكنا وكنا.

في وداع الجابري، وقبل رثاء الفلسفة

الثلاثاء, 4 مايو, 2010

http://www.elaph.com/elaphweb/Resources/images/jaberi.jpg

مررت على الدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله والذي ودع هذه الفانية أمس الإثنين مشكلا خسارة كبيرة للفكر والعقل العربي – مررت عليه مرتين، الأولى كانت في استعراضي لعشر كتب أثرت في العقل العربي ومن ضمنها كتابه الشهير “نقد العقل العربي” والثانية عندما قصصت لكم أحاديث السيد ولد أباه -رفيقه- عنه في “رحاب الفلسفة والسياسة” ولم أدرك -كشأننا دوما- أنه سيرحل بهذه السرعة وكأن مهمته المقدسة لم تنته بعد ومازال أمامه الكثير “لينقد” العقل العربي وليساهم في “تكوينه” بعد هذه القرون من ضروب التخلف والتأخر غير الخافية.
قلت عنه يومها نقلا عن السيد ولد أباه:
“أما محمد عابد الجابري فهو نسخة مخففة من العروي في اسلوب كتابته وفي طريقة عيشه وهو من قام بتنزيل الفلسفة المغربية بشكل مفهوم ليقرأها الجميع ويستوعبوها وهو من اشتهر كثيرا في الوطن العربي بمشرقه ومغربه، لكنه أيضا لا زال يحمل روح الفيلسوف المنكب على كتابته وقرائته، يبدأ من الصباح ولا ينتهي إلا مع الهزيع الأخير.. لكنه مع ذلك وعلى عكس العروي يستقبل الزوار في منزله ويشارك في المؤتمرات والأحداث ويمارس حياة شبه طبيعية.”
لا أدري لماذا تذكرت الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله عندما قرات خبر وفاة الجابري بالأمس جتى أني وبحركة لا إرادية صككت على وجهي حزنا وصدمة بهذه الخسارة الكبيرة.

http://www.aleqt.com/a/204756_23694.jpg

فالجابري عمل في الميدان ثم انتقل للعمل التنظيري والفلسفي أما المسيري فاختتم حياته بالعمل في الميدان بعد عقود من العمل التنظيري والفلسفي. والاثنان خاضا التجربة الإشتراكية والعمل والنضال فيها قبل أن يلمحا ذلك النور المضيء في نهاية النفق ويهتديا إليه ليقدما أفضل ما لديهما لأمتهما وحضارتهما..

وقد ضحك بصوته الخافت عندما قلت له مازحاً “إنك كما يقول الفرنسيون وحش بارد” معلقاً على اعترافه لي بأنه لا يقرأ روايات ولا يشاهد أفلاماً، وليست له أي هواية ترفيهية. (السيد ولد أباه)

والجابري أدرك مشاكل العقل العربي في “تكوين العقل العربي” و “نقد العقل العربي” ووصل إلى نتيجة نراها جميعنا بالمشاكل الكبرى التي تنبع من “الداخل” لا من “الخارج” مصداقا لـ “إن الله لا يغير مابقوم حتتى يغيروا ما بأنفسهم” كسنة وناموس كوني حتمي وبالتالي خرج عن إطار أولئك القدريين والجبريين وأصحاب نظرية المؤامرة الذين يضعون كل مشاكلنا في سلة “الخارج” ويعزون إليه كل تخلف ووهن يصيبنا.
الجابري “بسّط” الفلسفة للجميع ونشرها بين كافة الفئات بكتاباته المميزة والسهلة الممتنعة كما ذكرت سابقا وذلك عندما انتقل من اللغة النخبوية الصعبة التي كان يكتب بها “العروي” إلى لغة “شبه النخبة” التي نشرت الفلسفة بين الجميع ولقطاعات أوسع من الشباب والمثقفين والمهتمين.
الجابري أعاد ربط العقل بالنقل والفلسفة بالدين وخدم الثانية بالأولى بعد أن أوجد “أشباه المتعالمين” تناقضا موهوما بينهما باسم الدين افتراءا وتزويرا عليه. ولا يحضرني هنا وفي هذا الموضوع الطويل والمعقد إلا أن استشهد بمقالة الدكتور “السيد ولد أباه” المعنونة بـ “حاجة الدين إلى الفلسفة” وما ذكر فيه بأن:

“والأصح أن نقول إن مصدر الانحطاط العربي ليس الإقبال على الفلسفة كما رأى “الشيخ السعيدي”، بل هو الإحجام عنها وغيابها شبه الكلي الذي فتح الباب أمام التيارات المتطرفة والنزعات المنغلقة الاقصائية. فإذا كان من الصحيح أن الفلسفة لا تدعي القدرة على الوصول للحقائق واليقينيات، فإن أهميتها تكمن في أنها تكشف لنا عن زيف البديهيات الزائفة والحقائق الوهمية، وهي بذلك خادمة الدين الأولى كما أدرك “ابن رشد” منذ قرون.”

الجابري تعرض للإقصاء والتكفير من البعض -ذاتهم “أشباه المتعالمين” وعالات الدين والتدين ليعيد سيرة ابن رشد وابن حزم من الذين خرجوا عن المألوف والعادة وساهموا في صنع الحياة والحضارة والعقل بطرق إبداعية لا يدركها إلا القليل. وهذا للأسف انحطاط فكري وديني وقيمي عميق يعيدنا للطريقة القروسطية ذاتها في التعامل مع الأفراد والأفكار ويمثل نهج “ردة” عن منهج الإسلام المدني الذي تجلى في دولة المدينة وفي عصور النهضة الأولى التي شابها التسامح والتمازج الحضاري والرفع من شان الفلسفة في خدمة العلم والدين.

ومن يتصدى لمشروع بهذه الضخامة والجلالة كالذي تصدى له الجابري لن يسلم بطبيعة الحال من الأخطاء والزلات والهفوات ومايتبعها من انتقادات وجل من لا يقع في ذلك.. لكن بلا شك أن تلك المشاكل لا تعد شيئا ذا قيمة أو أمر يستدعي الإلغاء والتكفير بجانب ماقدمه الجابري من رصيد معرفي وفكري وفلسفي للأمة ينتظر به من يكمل المسيرة التي قطع شوطا فيها ويصحح الأخطاء ويقوم المسار.

الجابري وأسس النهضة

لم تتحقق لنا النهضة في العصور الغابرة إلا بأساسات عدة قامت عليها ونمت وتطورت بها ثم انهارت وفنيت لما فقدتها وهي:
- الإمتزاج الحضاري والإختلاط الأممي بين كل تلك الأعراق والثقافات تحت مظلة الحضارة الإسلامية من عرب وفرس وترك وهنود وأمازيغ وغيرهم لتتشكل حضارة استفادت جميع مكوناتها من الآخر لتبني صروحا هائلة من العلم والتقدم والتسامح.
- حركة الترجمة والتعريب التي نقلت علوم السالفين للعربية واستفادت منها وبنت عليها لنرى عظيم المؤلفات والاختراعات من قبل علماء الحضارة الإسلامية من أقصى الغرب في شنقيط والأشبونة إلى أقصى الشرق في نيسابور ودهلي ولاهور.
- التسامح الديني والمذهبي والعرقي والذي لم يفرق بين أحد وجعل للجميع حصة متكافئة للوصول إلى المناصب والقيام بالتأليف والإختراع والإكتشاف.

-الإهتمام بالعلم والعلماء وانشاء المدارس والجامعات وتشجيع وتحفيز الجميع للإنكباب على العلم وتحصيله.
- وحدة أممية مترابطة وقوية مع قوة رادعة تحمي هذه الأمم المتكاتفة والمترابطة والتي كانت تشكل مايسمى بالدولة الإسلامية.

وأحسب أن الجابري وفي سلسلة مؤلفاته الطويلة حاول التقعيد والتنظير لتلك الأسس بكل مايملك ويستطيع من قدرته الفكرية والذهنية المتقدة ليسلم الراية بالأمس لمن يريد ويحب أن يستكمل تلك المسيرة الفكرية أو يبدأ العمل على أساسها عل التاريخ يعيد نفسه وتنهض الأمة من جديد بتمهيد من الجابري ورفاقه كما مهد لها قديما ابن تيمية والغزالي والجيلاني وقام بالعمل الزنكيون وصلاح الدين وأعادوا للأمة بريقها وأملها ونهضتها.

http://www.biblioislam.net/ar/upImages/series/3-28-20061-27-59PM5.gif

إني آمل أن يكون دور الجابري في أمتنا كدوري ابن تيمية وأبو حامد الغزالي رحمهما الله حينما هضما الفلسفة بعمق وخدما بها الدين ليجدد لنا الأول في الكثير من المقاصد الأصولية والفقهية وليقدم لنا الثاني سفرا من أعظم الأسفار في الحضارة الإسلامية ألا وهو “إحياء علوم الدين” والذي كان مقدمة وتمهيدا لإثارة نهضة كامنة في هذه الأمة.

رحم الله الجابري وتجاوز عنه سيئاته وجزاه عنا وعن الإسلام خير الجزاء.

من أقوال الجابري:

“المثقف الحقيقي ينبغي أن يظل دائماً «فوق» السياسي؛ أي أن يكون المثقف هو الذي يوجّه السياسي، وأن «تكون السياسات التي يبنيها السياسي مبنية على ما وصل إليه المثقف من تأسيسات نظرية ومن تقديرات للمواقف. ومن خلال هذه النظرة»”

“المثقف المحنك «هو الذي يحصر همه في فهم الظواهر والأحداث، أما السياسي الناجح فهو الذي يتلقف ذلك الفهم؛ فيحوله إلى خطط وبرامج من أجل التغيير؛ فرسالة المثقف هي الفهم، ورسالة السياسي هي التغيير. وعندما يكون الإنسان مثقفاً وسياسياً في الوقت نفسه، فإن عملية الجمع بين الفهم السليم والتغيير الناجح تظل معادلة صعبة لا يقوى على حلها إلا من فهم حدود كل من الثقافي والسياسي، وأدرك ما بينهما من جدلية».”

“عندما مورست السياسة في الدين – في تاريخنا – كانت المصطلحات السياسية غير موجودة، وأن المفاهيم الدينية هي التي كانت سائدة»

«الصراع في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية كان بين الفلسفة والسياسة».

“إن إشكالية ابن خلدون مازالت معاصرة لنا خاصة وهو الذي أعلن قناعته بشرف الريادة وحملنا مسؤولية مواصلة الطريق”

“لقد تمشرق المغرب وتمغرب المشرق”

“لقد أدركنا بعد تجربة متعثرة أن الهدف الأساس الذي يجب أن نسعى إليه هو الحفاظ على العقد الوطني وتماسك الدولة والعمل على إصلاحها وانفتاحها المتدرج بدل الرهان على الثورة الراديكالية الطوبائية… فهل يعي إخوتنا العرب أهمية هذا الدرس؟”.

في رثاء الجابري:

1- صديق العمر – حسن حنفي

2- رحيل ناقد العقل العربي – السيد ولد أباه

في رحاب الفلسفة والسياسة مع السيد ولد أباه

الجمعة, 12 مارس, 2010

http://www.midadulqalam.info/midad/uploads/Image/Ort/Or_Griechenland_001_Philosophie_Athen_Schule%20.jpg

كان شهر ديسمبر الماضي حافلا لي على الصعيد الشخصي والاجتماعي بسفر قصير -مع رفيق الدرب شاكر-  إلى العاصمة الرياض التقيت فيه مجموعة طيبة ومتميزة من الإخوة والأصدقاء من المعارف الإفتراضيين والحقيقيين وأيضا بحضور العديد من الفعاليات الثقافية والتقنية المتميزة.

لكن أهم لقاء شهدته كان مع المفكر الموريتاني والكاتب المعروف في الصحف العربية.. السيد ولد أباه في جلسة نخبوية مصغرة طالت إلى مابعد منتصف الليل وكان من الممكن أن تطول أكثر مع استرسال ذلك المفكر القدير في الحديث وتشعب القضايا وشجونها اللامنتهي لولا اشفاقنا عليه من سفر صباحي وتعب مستمر.

http://www.arrouiah.com/files/imagecache/node_photo/files/rbimages/1242756541980556900.jpg

الحديث مع السيد ولد أباه انصب في محاور عديدة أكتبها من ذاكرتي فقط -ندمت لاحقا على عدم تسجيل بعض النقاط المهمة وكذلك التقاط بعض الصور للذكرى – وأتمنى أن تسعفني هذه الذاكرة وأن يصحح لي من حضر معي وعلى رأسهم الأخ العزيز طارق المبارك.

1- أولى المحاور كان الحديث عن فلسفة وفلاسفة المغرب ومقارنة مع فلاسفة المشرق ومايتمايز به كل فريق وأثره على الآخر.

2- السياسة كان لها نصيب بالحديث عن إيران وبرنامجها النووي ومشاريعها التوسعية في المنطقة ووصولها حتى إلى موريتانيا.

3- حديث آخر عن السلفية وابن تيمية وبعض الأفكار المتعلقة بها هنا وهناك.

4- طرائف وأحاديث عن المفكر المصري حسن حنفي.

5- حديث قصير عن الدكتور والعالم الجليل عبدالله ابن بيه وكذلك عن العالم الكبير ولد الددو.

6- الحديث عن طارق رمضان وإبداعاته وكذلك عن المفكر التونسي الكبير أبو يعرب المرزوقي.

حديث السيد ولد أباه السلس والمتدفق يجبرك على الإنصات أكثر وإن ثارت في نفسك بعض الأسئلة لم أستطع منع نفسي من طرحها على السيد ولد أباه وكذلك بعض المداخلات المشاكسة :)

ورغم تلك المحاور المتعددة والمتشعبة كان الحديث في أغلبه يدور عن الفلسفة وأبرز رجالاتها المغاربة وبالتحديد الثلاثة الكبار كما وصفوا:

- عبد الله العروي.

- محمد عابد الجابري.

- طه عبد الرحمن.

ولقد سعدت واغتنيت عندما سمعت معلومات لأول مرة عن هؤلاء ومواقف من حياتهم ونهجهم الفكري وأساليبهم في العيش والإختلاط مع الآخرين. خصوصا أني معجب أيما إعجاب بالثقافة والفلسفة المغاربية منذ القدم.. منذ أطروحات ابن خلدون والأندلسيين الكبار ابن رشد وابن طفيل وابن الخطيب وغيرهم والذين انتقلت كل بضاعتهم إلى المغرب بعد السقوط المدوي للأندلس في تلك القرون الغابرة .

(كانت تلك النكسة في مغرب الأمة الإسلامية نعمة في طي نقمة.. فرغم تقلص المساحة الجغرافية ورغم إبادة دين بأكمله في بقعة معينة ورغم الدوي المحزن ذو الوطء الثقيل بضياع الأندلس إلا أن علمائها وكبارها وفلسفتها وثقافتها امتزجت في المغرب بعد انتقالهم إليها وانتجت في القرون اللاحقة لهذا السقوط أعظم ابداعات الحضارة الإسلامية الفكرية والفلسفية. وماحدث في المشرق هو العكس فسقوط الأندلس صاحب فتح القسطنطينية واتساع البقعة الجغرافية للامة الإسلامية.. لكن وقتها كان المشرق يدخل من بوابة واسعة أحلك فتراته الزمنية في الجمود والإنحطاط الفكري والحضاري والفلسفي).

http://imezran.org/mountada/files5/abdellaharaoui.jpg

ماسبق موضوع طويل بلا شك -لعلنا نخصص له تدوينة مستقلة- إذا أن الإنحسار أو التمدد الجغرافي ليس العامل الوحيد والرئيس في الإنحطاط الفكري والفلسفي والجمود العقلي لكنها كانت مفارقة واضحة في هذا الحدث. إذ دخلت عوامل كثيرة في ذلك ساهم فيها السلطان والعالم والمثقف والفرد في هذا الإنحطاط ولن ننسى أن التوسع الجغرافي في الصدر الأول شرقا وغربا وشمالا قد أثرى الحضارة الإسلامية بتمازجها مع الحضارات الفارسية والهندية والبربرية والقوطية ضمن تلاقح انتج حضارة من اعظم الحضارات ذلك الوقت.

نعود إلى موضوعنا.

ثلاثي المغرب الفلسفي العظيم

فالأول عبد الله العروي فيلسوف ومفكر كبير لكنه يكتب بلغة لا يفهمها إلا نخبة النخبة لذلك لا تجده منتشرا بين الأجيال الجديدة ولا حتى المتوسطة رغم انه يعتبر أول من مهد وبعث نمط الفلسفة المغاربية في عهدها الجديد والحديث وبرز بعد ذلك من نشر هذه الفلسفة  بطريقة أوضح من تلامذته وأقرانه والمعولين عليه.

وعبد الله العروي يحمل أساليب المفكر الحقيقي المنعزل والمبتعد عن الناس في برجه العاجي -من قال أن الإعتصام في برج عاجي هو مذمة!! – فهو لا يستقبل احد في منزله ولا يزور أحد ولا يشارك في أي مناسبات إجتماعية ولا يستمع للموسيقى ولا يمارس أي دور ترفيهي في حياته.. نذر نفسه للكتابة والقراءة ورأى في كل مايشغل عنهما أمر لا يهمه ولا يريده.

أما محمد عابد الجابري فهو نسخة مخففة من العروي في اسلوب كتابته وفي طريقة عيشه وهو من قام بتنزيل الفلسفة المغربية بشكل مفهوم ليقراها الجميع ويستوعبوها وهو من اشتهر كثيرا في الوطن العربي بمشرقه ومغربه، لكنه أيضا لا زال يحمل روح الفيلسوف المنكب على كتابته وقرائته، يبدأ من الصباح ولا ينتهي إلا مع الهزيع الأخير.. لكنه مع ذلك وعلى عكس العروي يستقبل الزوار في منزله ويشارك في المؤتمرات والأحداث ويمارس حياة شبه طبيعية.

http://2.bp.blogspot.com/_dcPcQsFRDdo/SnTMWC7joeI/AAAAAAAAAfU/LSSNw2jtMwA/s400/taha%5B1%5D.jpg

في أحد المؤتمرات بدبي كان كلا من السيد ولد أباه وعابد الجابري ومذيعة الجزيرة إيمان عياد يتناولون أطراف الحديث مجتمعين فقال لها الجابري فجأة: انتي على الواقع أجمل منك على الشاشة :D فرد السيد ولد أباه لإيمان بأن عليها أن تفرح وتفتخر لإن هذه هي المرة الأولى التي يغازل فيها الجابري إمرأة :)

الثالث كان المفكر طه عبد الرحمن (لا شك أن أغلبكم لم يسمع به) وأنا بصراحة كانت المرة الأولى التي أسمع اسمه وأحس بوزنه الثقيل في عالم الفلسفة العربية بشكل عام والمغاربية بشكل خاص وهو يشكل الفلسفة بمدرستها الصوفية نظرا وعملا مستمدا من التراث الإسلامي أسس تلك الفلسفة. وبحسب ولد أباه فإن مشروع طه يعنى بـ “السعي لتجديد الدين من خلال نهضة عقلانية تستخدم الأدوات الكونية في النظر، لاستثمار آفاق المجال التداولي الإسلامي.”

فرص الإسلاميين الضائعة

أقوى عبارة التقطتها من السيد ولد أباه ورسخت في ذهني ونشرها العزيز طارق المبارك في ملفه على الفيس بوك هو قوله أن الإسلاميين أضاعوا ثلاثة مفكرين كبار في القرن العشرين واستبدلوهم بآخرين هم أقل منهم شأنا وحظا (الحقيقة ان المفكر الثالث مازال متوفرا ويخشى السيد ولد أباه أن يضيع كما ضاع الاثنان من قبله).

1- فهم أضاعوا محمد إقبال وفلسفته واستبدلوه بأبو الأعلى المودودي ومنهجه.

2- وأضاعوا مالك بن نبي ومشروعه النهضوي واستبدلوه بسيد قطب ومنهجه.

3- ويكادوا أن يضيعوا المفكر المغربي طه عبد الرحمن عندما استبدلوه بعبد الوهاب المسيري وفكره.

وماسبق يشبه النظرية الجديدة ولا أدري هل قالها السيد ولد أباه من قبل أم أنه ألقاها على مسامعنا للمرة الأولى في حياته.؟!

وقد كانت مناسبتها عندما طرحت عليه سؤالا يتعلق بالمسيري واسهامته الفلسفية والفكرية تعقيبا عن انحسار الفلسفة في مصر بعد أن كانت من أحد أهم رافديها (باعتباري مريدا للمسيري قمت بطرح هذا السؤال) وكذلك نقده للمناهج الفلسفية المختلفة كالتفكيكية والنماذج العلمانية الحلولية وغيرها.

ولد أباه والمسيري

كانت المفاجأة والقنبلة الثقيلة هو اعتبار السيد ولد أباه .. اعتباره المسيري عالة على الفلسفة وغير مختص ولذلك أتى بالعجائب فيما يتعلق بها (والعجائب هنا كلمة سلبية على طريقة “من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب”).

كانت الفكرة أن المسيري ناقد أدبي أساساً – وهذا صحيح- فدخوله إلى الفلسفة والحديث فيها كان قاصرا فلم يستطع نقد مناهج مثل التفكيكية وفلسفة جاك دريدا Jacques Derrida بقوة وإنما فهمها بشكل خاطئ وبنى نقده على هذا الأساس، وجاك دريدا أبدع وانتج فلسفة مهمة لم يستوعبها المسيري بحسب مايرى السيد ولد أباه.

قد لا أتفق مع هذا الكلام وقد أتوقف فيه لقصري في عالم الفلسفة الذي هو بحر لا ساحل له لكني بلا شك نوهت سابقا كيف ساهم المسيري في موسوعته بهدم ونقض أفكار جاك دريدا في هذا الباب. (ربما يقصد ولد أباه تعريف التفيكية بـ “ أنها عملية حركية استراتيجية في تحليل النص والنظر إليه.” وكذلك: “أن التفكيكية تنحو إلى أنه لا يمكن أن نفهم نصاً ما فهما كاملا أو متماسكا مهما كانت درجة الفهم والقراءة هذه”) بينما يعتبرها المسيري رحمه الله : “تُعَدُّ منظومته الفلسفية (إن صحت تسميتها كذلك) قمة (أو هوة) السيولة الشاملة والمادية الجديـدة واللاعقلانية المادية”. وكذلك يقول عنها: “ودريدا كعادته لا يقول الصدق، فما يفعله هو أنه يأخـذ جزءاً من الحقيقة ثم يضخمه ويجعل من هذا الجزء الحقيقة كلها. والحقيقة أن عالم السفسطائيين (الذين سبقوا دريدا بأكثر من ألفي سـنة) هو عالم بلا مركز، عالم من الصيرورة الكاملة وعدم التواصل”

http://www.almultaka.net/photos/2209200860746.jpg

فالمسيري في موسوعته -في مقدمتها بالتحديد عندما شرح المفاهيم الفلسفية- نسف العديد من النظريات والأفكار الحلولية المتأثرة والمؤثرة بالصهيونية -هنا مكمن الربط- والذي ربما أخذه السيد ولد أباه عليه.

أيضا يأخذ ولد أباه على المسيري “نظرته السطحية لداروينية نتشه ويهودية دريدا” وكذلك مفهومه للعلمانية الشاملة التي يرى فيها النظرة الضيقة والإنغلاق على الآخر. وايضا مفهومه لمصطلح “الحداثة الإسلامية”

الفرق الآخر الذي أراه أن المسيري رحمه الله خرج عن مناهج الفلاسفة بخروجه عن نمط حياتهم حينما اجتاح الميدان السياسي في آخر حياته وقام بتنزيل منهجه وفكره عمليا على أرض الواقع (وهذا هو الصحيح) أي نزل من برجه العاجي ولم ينتظر أن يطبق الناس مبادئه وأفكاره التي كتبها لهم.. بل بدأ بنفسه وكافح الظلم والفساد والديكتاتورية وناصر فلسطين واشترك في المظاهرات والاحزاب والحركات السياسية حتى أنهكه المرض وسكن إلى جوار به. بينما بقية الفلاسفة الآخرين مازالوا يؤلفون وينثرون مدادهم على الصفحات ويطبعون ويشاركون في المؤتمرات أو يسكنون منعزلين في بيوتهم! مع ذلك نتمنى أن يوزن مدادهم بدماء الشهداء والعاملين!

فالخلاصة أن المسيري ناقد أدبي كبير لكنه دخيل على الفلسفة حيث اضر أكثر مما نفع فيها بحسب مايراه ولد أباه. وقد قلت لطارق في السيارة اثناء عودتنا انني أختلف مع ولد أباه بذلك ولا أقبله لكنني في سري الآن أقول انني متوقف وان الأمر يحتاج لبحث طويل وعميق ربما يستمر سنوات.!

http://www.islammemo.cc:1589/memoadmin/media//ekbal.jpg

وعودة إلى تلك المقولة وأولئك المفكرين الذين أضاعتهم الحركات الإسلامية ففيها نرى بشكل واضح تفضيل محمد إقبال على المودودي، ثم تفضيل مالك بن نبي على سيد قطب، ثم أخيرا تفضيل طه عبد الرحمن على عبد الوهاب المسيري.

بدايةً.. نقاش هذا سيطوّل هذه التدوينة جدا (وهي الطويلة أصلا فعذرا قارئي الملول :) ) لكن باختصار نستطيع الإشارة إلى مقصد ولد أباه الواضح هو أن الحركات الإسلامية فضلت العاطفة على العقل أو الفكر الثوري على الفلسفة الحكيمة.. أو حتى الحدية والإحتراب على  الموادعة والمسالمة.. أو باختصار: انغلاق وتشدد وعزلة المودودي وسيد قطب والمسيري على انفتاح وتسامح وكونية اقبال ومالك بن نبي وطه عبد الرحمن في مشاريعهم الفكرية والنهضوية. قد يكون هذا صحيح أحيانا وقد يبطل في أحايين أخرى وأيضا قد لا يكون أولئك الأعلام في مجال المفاضلة والنقيض أصلا بل يمكن الاستفادة من جميعهم في بناء مشروع حضاري معرفي متعدد الادوات.

عموما كان الاخ طارق (أبو بدر) قد طلب من السيد ولد أباه بعد هذه الجلسة “شرح اكثر لمقولته حول الفرص الفلسفية الضائعة للفكر الاسلامي،فوعد بذلك في مقالته في صحيفة الاتحاد” وهاهي المقالة المهمة والتي أتمنى من الجميع قرائتها.

ولو لاحظنا أن الإسلاميين بحسب ولد أباه لم يضيعوا فقط هؤلاء الثلاثة بل ذكر آخرين أصحاب مشاريع فكرية أخرى كعبدالكريم سروش، وبشير سليمان ديان.

بل أن ولد أباه يرى أنه: “وعلى الرغم من الوعي المتزايد بالآثار الفادحة التي خلفها هذا الموقف فكرياً وسياسياً، فإن الخطاب الإسلامي السائد يبدو في أكثر نسخه “اعتدالا” و”انفتاحاً” محجماً عن فرصة راهنة متاحة للمراجعة الذاتية والانطلاقة المتجددة.”

وذلك موضوع آخر في مكان آخر بحول الله.

آرية هتلر والمرزوقي

كان هنالك بعض الحديث عن المفكر الرائع أبو يعرب المرزوقي واستيعابه العميق للفلسفة واللغة الراقية التي يكتب بها (رغم صعوبتها ومطولاته التي لا تنتهي) وويمكن أن ترى نموذجا لذلك حينما تصدى ذلك القريب من أفكار التغريب والحلولية أبو يعرب المرزوقي للخارج من البيئة المحافظة إبراهيم البليهي ونسف أفكاره المتعلقة بحضارة العرب والغرب نسفا بمقالة قيمة جدا عنونها بـ” آرية دونها آرية هتلر”

(تعليقا على ذلك تفاجئت مؤخرا بأن البليهي لا يتقن حتى اللغة الإنجليزية-وكنت أظنه على كثرة تغزله بالغرب وإلقاءه للقمامة على العرب- وكأن رفاعة الطهطاوي أو طه حسين بعثوا من جديد وهذه المرة من نجد!- كنت أظنه يتقن الإنجليزية وقرأ بها حتى مل ودرسها حتى أشبع بها.. مع ذلك هو يتجرأ للحديث عن المسيري وذمه بشدة رغم أن هذا الأخير تخصص في الأدب الإنجليزي وكان جزءا لعقد أو أكثر من الزمان من الحضارة الغربية!! )

وهنا تذكرت من قال بأن ابن سينا وابن رشد لم يدركوا من الفلسفة إلا القشور فتخبطوا بها.. بينما أدرك أبو حامد الغزالي وابن تيمية لب الفلسفة فأبدعوا بها. و بغض النظر عن شخوص هذه العبارة ومدى صحتها وانطباقها عليهم إلا أن الفكرة صحيحة وهي أن من يلج الفلسفة ولا يتعدى قشورها فسنرى منه كل أنواع التخبيص وكل ماليس له علاقة بالفلسفة-وقد يوصله ذلك إلى الإلحاد مثلا- بينما من يتمكن منها ويهضم لبها وحقيقته فسيبدع في فهم مكنوناتها وشرحها وسيوصله ذلك بلا شك إلى زيادة الإيمان وتذوق حلاوته.

http://www.moheet.com/image/45/225-300/453676.jpg

أما طارق رمضان ذلك المفكر الأوروبي المسلم الواعد فبالإضافة إلى أنه شيخ العزيز أبو بدر :) فقد ذكر ولد أباه حادثة جميلة عنه حينما تصدى لمثقف فرنسي من أصل مغاربي يطعن في الإسلام -وكان مشتهرا بانه أديب يتقن الفرنسية أكثر من أهلها أنفسهم- مع ذلك تصدى له طارق رمضان بمناظرة تلفزيونية وبلغة فرنسية أدبية راقية تفوقت عليه وحاججه بقوة وأنهكه حتى أسقطه فكريا.

أخيرا وبعد انتهاء تلك الجلسة المميزة لم ننس أن نتناول طعام العشاء مع أبو بدر من “شاورمر” وفي منزله الساعة الثانية فجراً  وهذا من كرم الضيافة المعهود لدى آل المبارك :)

قد تتفق أو تختلف مع السيد ولد أباه لكن بلا شك لا تستطيع إل ان تقف احتراما لهذا الرجل ونتاجه وفهمه واستيعابه لمفكري وفلاسفة عصره. وكم أتطلع لجلسة قادمة وقريبة معه ومع أمثاله لعلنا ندخل جنة الفلاسفة في الدنيا وننال تلك الأخرى.

ملامح من شخصية المسيري الإنسان

الأربعاء, 8 يوليو, 2009

29[1]

إنه قبل كل شيء ، كان المسيري الإنسان، قبل أن يكون مفكراً أو باحثاً أو مؤلفاً أو فيلسوفاً، كان إنسان وكفى، ولو لم يكن ذلك الإنسان بكل ما تعنيه وتنضح به هذه الكلمة من معاني عديدة، لما احتفينا به ولما عددناه من كبار المفكرين في تاريخ أمتنا ونهضتنا.

لم يكن المسيري رحمه الله من النوع الذي يسكن الأبراج العاجية ويحيط نفسه بالأسوار الذهبية، أو يعد نفسه من أرقى طبقات الشعب التي تنظر بشزر وإزدراء لمن تحته على طريقة فلاسفة اثينا القدماء!

كان قبل كل شيء ذلك الإنسان البسيط الذي يختلط بعامة الشعب ويرتدي أرخص الملابس ويقتات بقوت العامة،  يكتب نظريته الفلسفية والفكرية ثم يهرع من فوره إلى الشارع لينزلها عملياً على أرض الواقع ، وهذا هو سر عظمته ومجده الفكري والفلسفي. ولعل في ذلك مواقف:

أكمل قراءة التدوينة »

الندوة التدوينية والفعاليات حول الدكتور المسيري(التفاصيل)(محدّث)

الأربعاء, 24 يونيو, 2009

el-misery[1]

أشكر جميع الإخوة الذين تفاعلوا حول الموضوع السابق الذي اقترحنا فيه إقامة فعاليتان في الذكرى الأولى لرحيل الدكتور والمفكر الكبير عبد الوهاب المسيري رحمه الله، والحقيقة أن الأمر بدأ منذ ثلاثة أشهر بين دائرة ضيقة من الإخوة المهتمين حيث تداولنا وتناقشنا طويلاً في أمر هذه الفعالية حتى استقر الأمر على ما سأحدثكم به بعد قليل، والحمد لله ارتفع عدد الإخوة المشاركين في هذه الندوة بشكل ملحوظ ولا يزال المجال مفتوحاً للمشاركة في هذه الندوة للمهتمين بشرط قراءة و استيعاب شيء من تراث الدكتور المسيري عليه من ربي شآبيب الرحمة والمغفرة (خصوصا كتاب “رحلتي الفكرية: في البذور والجذور والثمار، سيرة غير ذاتية غير موضوعية”)، بما يمكن من النقاش في المحاور المطروحة لهذه الندوة.

أكمل قراءة التدوينة »

مرئيات

تابع جديد المدونة

التدوينات إلى إيميلك

تصنيفات

أوسمة

آخر الآراء