ليس هنالك أصعب من أن تعيش هزيمة نفسية على اي مستوى من المستويات، فتلك طامة تبدو إلى جنبها الهزيمة المادية أو العسكرية أو غيرها شيء لا يذكر ولا يرى ولا يكاد يبين.
كنت أقول لزملائي اننا محظوظون لإننا لم نعايش جيل النكسة وقبله جيل النكبة وقبلهما ايضا جيل سقوط الخلافة برمزيتها المعنوية على كل ما فيها.. ذلك جيل من استطاع منهم القيام والتنهد فذلك بطل كبير أمام تلك النفسيات المنهزمة والهزائم المتتالية والحال السيئة التي وصلت لها الأمة آنذاك..
لكننا لسنا بأفضل حال نحن جيل السبعينات والثمانينات كما يبدو والذين رغم انهم سكروا بنشوة الصحوة آنذاك وانتصارات أفغانستان وغيرها إلا أنهم عاشوا بعد ذلك سلسلة أخرى من الهزائم المحطمة والمدمرة والموهنة.
فعندما هربنا من قدر الله ومن أجيال الهزيمة تلك.. جاء قدر الله بنا ووضعنا معاصرين لإستعمار واحتلال جديد أوهن في النفسيات ما أوهن فيها
في عام 2003 وطبول الحرب تدق على العراق من قبل المجرم وزمرته جورج بوش كنا طلابا في منتصف مرحلتنا الجامعية نتحمس كثيرا ونعلق الآمال على الكثير من “القومات” والنهضات والإنتصارات. رغم كل شيء.
متفائلون بأن العراق سينتصر حتى وبعد هذه السنوات من الحصار والإنهاك مستبعدين هزيمة تكون في اشهر -فما بالك بأسابيع قليلة!! – متأملين أن تكون نهاية أمريكا وكل قوى الشر في ارض الرافدين، وبل – وياللأسى- معولين أن يهب العراق بعد أن يهزم أمريكا في أرضه ويستعيد قوته ويزحف حتى إلى إسرائيل!!
هكذا كان التفائل، وهكذا كان أفيون الصحوة الذي خدرنا وأبعدنا عن الواقع ولم يعلمنا معطيات النظام الدولي الجديد وموازين القوى والخسارة والسنن الكونية التي لا تحابي لا مؤمنا ولا كافرا. أو هكذا شبه لنا.
ابتدأت الحرب وزحفت الجيوش وتسمّرنا أمام الشاشة الفضية ليلا ونهاراً وكانت هي الحديث في المجالس والجامعات وأركان النقاش وغيرها.
كان رفيق الدرب الغائب -رده الله- مروان الجبوري يأتي إلى منزلنا مستغلا لوجود التلفاز والفضائيات ويبقى ساهرا إلى الثالثة فجرا ومابعدها وهو يراقب كيف ينهش بلده الجريح ليعود منكسرا إلى غرفته ووحيدا.. وهكذا دواليك حتى شهدنا السقوط!!
من كان يتوقع ذلك السقوط السريع والمريع في اقل من ثلاثة أسابيع تدخل الدبابات إلى عاصمة الرشيد وتستبيحها ليكمن الشرفاء في منازلهم ومخادعهم ويطفو على السطح الغوغاء والمجرمين والقتلة يتسابقون في النهب والنهش والخيانة.
ومن ينسى مشهد ذلك الدخول وتعليق المرحوم ماهر عبد الله عليه ينعى بغداد والعراق والرافدين ولا عزاء للجبناء..
إذن سقط العراق.. وكنا رغم هذا لا نصدق حتى تلك الصور التي كانت تبث للجيش الأمريكي من داخل المدن العراقية كنا لا نصدقها فربما تستطيع إمبراطورية الإعلام تلك تزييف كل شيء!
شخص واحد بيننا كان يوقن بالهزيمة ويستثير غيظنا حتى كنا نصفه بالمنهزم الناشر لهذه الروح القميئة، لكن يبدو بأنه كان العاقل الوحيد في جمع المجانين آنذاك..
سقط العراق وسقطت نفسياتنا تماما إلى الحضيض وابتدأت رحلة البحث عن مخدر ومهدئ ومسكّن.. عمن يرفع معنوياتنا ويخدرنا بنصر قادم أو مقاومة أو تحرير..
مما أذكر أننا ذهبنا إلى شخصين، الأول فسر الحدث سياسيا واستراتيجيا مع شيء من الصبغة الدينية التي تبرر الهزيمة بعدم وضوح الراية وبإستحالة انتصار الظالم والضعيف والمنهك.
أما الشخص الثاني فكان تفسيره تفسيرا دينيا بحتا مستشهدا بالآيات والأحاديث ومحلقا بالأرواح، وهو شيء جيد لا شك.. لكن ماذا بعد؟ الإتكال على التفسير القدري والقعود انتظارا لهزيمة أخرى أو لقائد منتظر لن يأتي وهكذا هو الحال دائما.
لم نكن نحن -جيل الهزيمة والإحباط- أفضل حالا فيما يبدو من أسلافنا..

عاصرنا حرب الخليج الثانية وماحدث بعدها للدول العربية جمعاء..
عاصرنا أوسلو وذلها على القضية الفلسطينية..
عاصرنا سقوط أفغانستان ومن ثم العراق..
عاصرنا مذابح البوسنة وكوسوفو..
عاصرنا احتلال وفظائع روسيا في الشيشان..
عاصرنا الحرب والمجازر على غزة وإن أنعشنا صمودها وصمود أبطالها..
ومازلنا نترنح يمينا وشمالا ولا أدري أي نصر ننتظر وعلى بعد كيلومترات منا شعب محاصر ونساهم في حصاره يموت ببطئ وبسرعة بلا ماء ولا كهرباء ولا دواء ولا طعام.
تلك كانت قصة عابرة من جيل الإحباط والهزيمة وشيء من النصر في ذكراه السابعة وربما العشرين فلا فرق بعد أن تكسرت النصال على النصال.
“أكاد أؤمن من شك ومن عجب
هذي الملايين ليست أمة العرب..
أمتي.. أأنتي أنتي؟ أم الأرحام قاحلة؟
وأبدلت عن أبي ذر أبا لهب”..




![fort-hood-shooting-txdam109jpg-f994e167e21072cb_large[1] fort-hood-shooting-txdam109jpg-f994e167e21072cb_large[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/11/forthoodshootingtxdam109jpgf994e167e21072cb_large1.jpg)

![Illusion_of_Change_by_hamoud[1] Illusion_of_Change_by_hamoud[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/11/Illusion_of_Change_by_hamoud1.jpg)




