انتقل إلى المحتوى

OkBaH's Observations Blog – مدونة متابعات عقبة مدونة متابعات عقبة (مدونة عقبة مشوح) – الحياة طويلة بجلائل الأعمال، قصيرة بسفاسفها – مدونة شخصية ثقافية سياسية تقنية إعلامية سورية

التدوينات الموسومة بـ ‘أدب’

المخطوط القرمزي بين يدي مراهق

الجمعة, 26 مارس, 2010

“التاريخ ليس إلا سباقا لحلول واقع مكان آخر:

نعرف من أي يأتي وأين يجري،

لكننا لا نعرف في النهاية إلى أين يتجه ولا متى سينتهي”

أبو عبد الله الصغير

ألا تذكر تلك الأيام حينما كنت تلهث وراء المجلات الثقافية تقلبها ليلا ونهارا وتخوض بين أراشيفها في ذلك المستودع الذي ملأ الغبار صنادقيه الممتلئة بالمجلات والكتب القديمة..

تتحمل الحرارة العالية وتقفز من مجلة إلى أخرى، وعندما تقع عينيك على موضوع يخص الأندلس تقوم فورا باقتطاع وريقاته من المجلة أو الجريدة وتحفظه في ارشيفك ولا عجب فقد كنت تعشق الأندلس إلى حد الجنون بل وتتمنى أنها لو عادت إليك وبيديك.. كانت أحلام الطفولة والصغر والمراهقة والبحث عن إنجازات وانتصارات..

كيف كنت تتخيل نفسك تقود الألوية والجيوش وتعبر المضيق لتكرر سيرة طارق وموسى وابن تاشفين.. نعم انها أحلام المراهقة التي دفنت في مهدها..

ولا شك بأنك تذكر كيف وقعت عينيك على مقال في مجلة الفيصل الثقافية يستعرض رواية “المخطوط القرمزي” للكاتب الإسباني-الأندلسي الشهير أنطونيو غالا.. وكيف أن ذلك العرض المبتسر والغامض لم يعجبك رغم انه جذبك، وعزمت يومها على اقتناء ذلك الكتاب مهما كانت الأثمان.

كان مجرد الاسم ووقعه ورنينه “المخطوط القرمزي” يثير الرغبة والشوق والقشعريرة في آن واحد.

مرت الأيام ونسيت كل هذا، ثم أتى معرض مفاجئ للكتاب وذهبت إليه كالعادة، وفي إحدى دور النشر تلمح مجلدا صغير الصفحات، ممتلئها.. معنون بـ “المخطوط القرمزي.. يوميات أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس” فتلتمع عيناك وتعود الذاكرة سنين إلى الوراء.. وتختطف الكتاب وتدفع الثمن بدون أن تعيه حتى وتعود إلى بيتك غير واع لمحتواه ومشاهده لا أنت ولا أحد غيرك..

وتبدأ بالقراءة لمئات الصفحات، ولا تعجبك الترجمة غير الدقيقة من الإسبانية إلى العربية خصوصا للأشعار والموشحات الراقصة.

بل وتتعجب عن قصة تلك الكتاب وذلك المخطوط القرمزي..!! هل هو من خيالات أنطونيو جالا ..ذلك العاشق الأندلسي أم أنها شيء من الحقائق والخيال كما روت المقدمة عن أن تلك المخطوطات قد وُجدت بقبو مراكشي قديم  في فاس بعد ان نُفي أبو عبد الله الصغير ووصلت إلى يدي “غالا” الذي صاغها رواية إسبانية لتترجم بعد ذلك إلى العربية!!

ومازال ذلك السؤال الملح في ذهنك أين ذلك الأصل العربي؟ وهل هنالك من اطلع عليه؟؟!! ويبقى السؤال بلا إجابة..

تقرا وتقرأ.. وترفض الرواية أن تنتهي حينما تطول مع تعدد المشاهدات والمغامرات الجنسية النسائية والمثلية لأبو عبد الله الصغير وفتاة غرناطة ومريمة وحسين وغيرهم!! وتتسائل -رغم متعة تلك المقطوعات لمراهق- تتسائل هل هي حقيقية فعلا أم أن عقلية المؤامرة تقفز لذهنك وتشك في أنها مدسوسة أم أنه مقدمة حياة طبيعية لأبو عبد الله الصغير الذي أضاع كل شيء وكان صاحب أول نكسة ونكبة عربية في التاريخ!!

تعجبك حمية أبو عبد الله الزغل وتسوئك خيانة حاشية الصغير ويغيظك ضعف شخصيته ولا حوله ولا قوته..

ولطالما عقدت المقارنات وأنت تقرا هذه الرواية بين أبو عبد الله الصغير وياسر عرفات وكل من استسلم لأعدائه.. وهل ياترى بعد تلك السنوات تصح تلك المقارنات!!

تأسرك حمية موسى بن أبي الغسان وثورته وتمرده على الواقع ودفاعه عن غرناطة حتى استشهاده أو اختفائه.. رغم خيانات الحاشية.. وتحزن عندما تقرأ عن “الآشي” الذي يقابل في زمننا هذا دحلان! وكيف عذب واعتقل وقتل المتمردين على اتفاقية “السلام” مع ملكي قشتالة..

تأسرك شخصية عائشة والدة الصغير ونباهتها وقوتها حتى في أكبر لحظات الذل والضعف التي فرضها ولدها..

يحيا الأمل فيك مع ثورة البشرات والأمة الأندلسية الشهيدة حتى تم اجتثاثهم كاملا وترى كيف خان القشتاليون كل العهود والمواثيق واخترعوا أبشع محاكم تفتيش وقتل وتعذيب عرفتها البشرية.. لقد كان هولوكوست أندلسي بامتياز لم يسبقه إليه أحدهم.. لكن لا أحد يبالي به أو يتذكره..

تعيش اللحظات الأخيرة مع كل الذل الذي تجرعه الصغير في المغرب وفي فاس ومراكش حتى مات هما وكمدا..

كعادتك تحب أن تبدأ من النهاية..

في جريدتك في مجلتك.. في كتابك.. تريد ان تقفز إلى النهاية.. ليأسرك الفهرس والملحقات والصور .. فتبدأ “كيساري” من آخر صفحة.. تفتح ذلك المخطوط من نهايته.. لتشاهد:


“المخطوط القرمزي” هي “مدونة” أبو عبد الله الصغير بعد أن نُفي إلى المغرب مع ماتبقى من أهله وعائلته تاركاً غرناطة خلفه يبكي عليها كالنساء.. حيث استقر في “فاس” ليصوغ هذه اليوميات والذكريات على تلك الاوراق القرمزية التي كانت تمثل الأوراق الرسمية لمملكة بني الأحمر في غرناطة

في تلك الرواية التي أسرتني صغيرا كما آلمتني وتضايقت منها في مواضع كثيرة نلاحظ أن التركيز فيها كان على الجانب الإجتماعي والحياة اليومية “للصغير” داخل قصره ومع أهله وحاشيته وخدمه بدئا من الصغر وأيام المراهقة وحتى توليه للحكم ومن ثم النفي والخروج. وهو حتى في تعرضه للأحداث السياسية والعسكرية يميل فيها إلى الجانب الإجتماعي واليومي الشخصي… ربما أدرك أبو عبد الله حقيقة “التدوين” منذ ذلك الوقت، ولعله كان أول المدونين.

يخبرنا أنتونيو غالا عن قصة تأليفه لهذه الرواية، حيث وقعت تلك المخطوطة الثمينة أول ماوقعت اثر اكتشافها من قبل معماريين فرنسيين في عام 1931 كانوا يدرسون آثار أبنية فاس التاريخية وبالتحديد جامع القرويين العريق فيها، عندما توصلا إلى حيز مغلق أو غرفة أسفل الجامع تمثل مكتبة قديمة تحتوي على نفائس الكتب والمخطوطات وتعود إلى خمسة قرون مضت ومازالت بحالة جيدة وتميزت عنها مذكرات أبو عبد الله الصغير آخر الملوك الزيريين في غرناطة بتجليد أنيق وكامل وبلون قرمزي ميزها عن بقية الكتب.

لكن فترة الاكتشاف تلك المتقطعة تداخلت فيها الكثير من الأيادي التي سرقت عدد من الكتب من بينها المخطوط والذي وصل ليد تاجر كتب باعه لمكتبة عرف عنها أنتونيو غالا فوصلت إلى يديه.

تلك كانت قصة المخطوط كما رواها غالا. والذي اعترف أن إضطراره إلى كتابة تلك الرواية بلغة واضحة للاوروبيين وبعد عودته إلى كتب التاريخ والمراجع والأخبار للمطابقة جائت حكايته باردة أحيانا ومتأججة أحيانا أخرى تتكامل وتتناقض وبترجمة غير أمينة!! (نعم غير أمينة!!) بحسب غالا الذي اعترف بذلك واضطر له حتى يكون النص “قريبا من أعيننا وأسماعنا”!

ويقول انه وبعد ذلك لم يصل إلى نتيجة محددة فيما يتعلق بحقيقة المخطوط.

ويجهل ما إذا كان مارواه أبو عبد الله صغير كله صحيحا أو أنه يميل به لصالحه (وأنا أرى أن أبو عبد الله سرد حياته بمنطقية وكاإعترافات مذنب أمام الكاهن!!).

كما أنه ليس متأكدا ما إذا كان قد كتبه كله بنفسه أم أملاه على واحد أو أكثر من أمنائه.

بل حتى يطرح غالا نظرية أن يكون العمل كله مختلق!

وهل كتب أبو عبد الله هذه المذكرات كلها دفعة زمنية واحدة بعد مكوثه في فاس أم على مراحل عمرية مختلفة! وغيرها من الاحتمالات التي خرج بها غالا بعد “ترجمته” المفترضة في صيغة رواية إلى اللغة الإسبانية.

ونحن بدورنا يحق لنا أن نضع احتمالات حول دقة ترجمة غالا وأمانتها وماإذا أضاف أو أنقص أشياءا ونصوص أخرى طالما لا يتوفر لدينا الأصل والمخطوط العربي حتى نطابق هذه الترجمة بل الترجمتين الإسبانية والعربية عن الإسبانية.

أما عن أنتونيو غالا نفسه، فهو كما يخبرنا المترجم “رفعت عطفة” عنه فإنه يعتبر من أهم الأقلام الإسبانية الذي يجيد الكتابة في مختلف الفنون الأدبية كالشعر والرواية والنقد والمقالة والمسرحيات كذاك.

ورغم أن رفعت عطفة يقول أن لا دور لغالا في ” المخطوط القرمزي” سوى الترجمة فإن الكلام السابق الذي أوردناه بلسان غالا نفسه حول تصرفه بالنص يناقض ماقاله رفعت تماما وعلى بعد صفحات بينهما!!

وغالا أندلسي إسباني يحب الأندلس كما يجب سورية جدا وله من القصائد: “ثلاثيات الوادي الكبير وقرطبة وغرناطة” و “قصائد سورية”، وله كذلك رواية ” الوله التركي”.

من مقولاته الشهيرة: ” أن العرب لم يغزوا الأندلس، ولم يفتحوها عسكريا، بل ثقافيا”

وهو بذلك يتبنى أطروحات ونظريات المؤرخ الأسباني “اغناثيو أولاغو” الذي له كتاب بعنوان “العرب لم يفتحوا الأندلس” وفيه يبطل نظرية الغزو العسكري واستحالة تحول ملايين الأرويسيين إلى مسلمين بالإكراه نتيجة دخول جيش مسلم من بضعة آلاف عربي وبربري.!

عموما تلك قصة أخرى طويلة يهمني أن أتعرض له بتدوينة مستقلة ومطولة بحول الله.

يعتبر غالا الأندلس جزء أصيل من الحضارة العربية والإسلامية بل هو يهذب بعيدا إلى سورية التي يراها ويحبها (حيث ولدت الأندلس من رحمها) ويقول عنها:

“كانت سورية بالنسبة إلي باهرة جدا. في السكرتارية الهادئة عادة قرات كثيرا عن تاريخها. كنا نطير من أقصى المتوسط إلى أقصاه الآخر. من بلاد هي ذيل لأوروبا لا ينسلخ عنها وفيها الكثير من أفريقيا (هو بالنسبة لي تمرين عام) إلى بلاد أخرى، هي أيضا على حافة أوروبا وعتبة آسيا. من مساجدنا التي تحولت إلى كاتدرائيات إلى الكاتدرائيات التي تحولت إلى مساجد، من تراكم ثقافاتنا إلى تراكم ثقافاتهم”

“في حماة التي تعاقبت على أرضها نيف وعشر مدن، أبكاني عنين النواعير التي تلعب بنور العاصي ومائه، كان مساءا ورديا، ولخرير الماء هذا اللون وكان نور الغروب مسموعاً. هضبة حلب الرمادية (الشهباء) حيث خيّم إبراهيم، تقوم على أنقاض حضارات أقدم منه بكثير. ودمشق المتقلبة ولا تتبدل، الحية كما الحياة، ومتكيّفة معها أكثر من روما وبيزنطة (ارتعشت يدي وأنا أكتب بيزنطة) هي الحياة المنبعثة من ذاتها..”

“كنت أشعر بشيء أخوي تماما في تلك الرحلة. كما لو أن العرب الأندلسيين يهمسون في عروقي بصلوات غير مفهوم. لا شيء يموت كليا، لا وجود للنسيان. وآمنت وقتها وما زلت باننا مجبولون مما ننساه ظاهريا”

“حصلت هذه الرواية على جائزة بلانيتا 1990 وهي من أهم جوائز الرواية في أسبانيا”

“طبعت هذه الرواية وأعيدت طباعتها أكثر من عشرين مرة حتى الآن ووصل عدد النسخ إلى أكثر من مليون نسخة”

لا أدري لماذا تذكرت كلمة “هراء” بعد أن رأيت اسم “حيدر حيدر” كمستشار أدبي لهذه الرواية :)

تلك قصة المخطوط القرمزي.. .. ذكريات أبو عبد الله الصغير منذ صغره إلى منفاه في المغرب.. استعرضت الجانب الرسمي والسلطني في سقوط الأندلس، كما رأينا سابقا كيف استعرضت “ثلاثية غرناطة” الجانب الشعبي لهذا السقوط الأليم.. تلك هي رواية ” المخطوط القرمزي” مملوئة هما ووجعا وجنسا.. وقعت خطأ أو عمدا بين يدي مراهق.. لكنها مرت بسلام..

موسم الهجرة إلى القنديل!

الإثنين, 25 يناير, 2010

2781180896_780c070ba3[1]

كعادتي كل فترة، توجهت إلى مكتبة جرير لأطلع على جديد الكتب وأقتني بعضها، تجديدا للفكر والعقل والنفس أيضاً، أحجمت فورا عن الكثير من الكتب وامتنعت عن اقتناء العديد منها لعدة أسباب ترسخت بعد زيارات كثيرة لهذه المكتبات التجارية:

1- فالملاحظ بشكل دائم فيها هو كثرة الغثاء والسخف في الناتج الثقافي العربي من مطبوعات وكتب، فهي إلى جانب قلتها ونسبتها الضعيفة مقارنة مع الدول الأوروبية والأمريكية، يغلب على هذا القليل التجميع والتقليد والنسخ والتفاهة.

2- غلاء الأسعار بشكل لا يطيقه النسبة الأكبر من المتسوقين وحتى أبناء الطبقة المتوسطة مقارنة بكتاب متوسط الحجم لا يستحق كل هذا المبلغ المرتفع!

3- أغنت الإنترنت عن الكثير من بعض الكتب كالموسوعات والمعاجم وكتب المعلومات وما شاكلها، فلا حاجة لاقتناء هذه الكتب وصرف المبالغ الطائلة عليه وهناك ما يغني عنها بطرق إلكترونية أسهل.

4- وجود صف طويل من الكتب التي تنتظر القراءة في مكتبتي وبيتي فلا داع للإكثار من كتب أخرى، وإنما مجرد تجديد وإضافات بسيطة هنا وهناك..

أنهيت جولة متوسطة الطول في المكتبة بأربعة كتب فوجئت عند المحاسب بأنها كانت جميعا روايات عن غير قصد، رغم أني لا أحرص كثيرا عليها وإنما أوازن بينها وبين العديد من الكتب الثقافية والفكرية الأخرى.

عدت إلى البيت وأخلدت إلى الأرض ووضعت حولي الروايات الأربعة وحاسوبا مفتوحا على مواد تقنية، فتخيلت أن أصحابها، أصحاب هذه الروايات وتلك المادة التقنية جالسون حولي في حلقة فريدة وكأنها –بما أن أغلبهم ميتون- جلسة تحضير أرواح ثقافية!

كنت أنا ويحيى حقي مع روايته “قنديل أم هاشم“.

ومعنا طه حسين وروايته “الأيام”.

وهناك حي بين الأحياء وهو أمين معلوف ورواياته “ليون الأفريقي”

ثم الراحل نجيب محفوظ وشيء من ثرثرته فوق النيل.

وإلى ركن قصي كان هنالك منذ قدم أنيس منصور وأيامه في صالون العقاد! لكن لم أضمه إلى تلك الجلسة الفريدة. ولي معه وقفة مريرة لاحقا!

وبشكل غير متجانس كان معنا بيل غيتس وشيء من مواد تقنية مطولة دراسة مني لأحد شهادات مايكروسوفت التقنية والتي لا نهاية لها.

احترت من أين أبدأ وفيما أثني ومن سأثلث به! لكن استقر الرأي دفعا من العقل الباطن على الرائع المرحوم يحيى حقي و فريدته “قنديل أم هاشم” التي ذاع بها صيته كعمل من أهم أعمال القصة القصيرة أو الطويلة قليلاً في القرن العشرين.

نحن هنا نتحدث عن قصة كتبت منذ أربعينيات القرن المنصرم ولطالما سمعت عنها وقرأت عنها الكثير من المديح والإشادة في الكتب والمجلات الثقافية والأدبية المتداولة، ولعل أهم من خصها بالنقد في ذلك الوقت بمقالة رائعة هو الأديب الشهيد سيد قطب رحمه الله ضمت بعد ذلك غلى كتابه القيّم: “كتب وشخصيات”

حتى بداية تلك المقالة ستأسرك وستنبئك بان فيضا من المديح سينثال على هذه القصة وعلى هذا الإبداع القصصي. حينما يستفتح سيد قطب مقاله هذا بـ :

“أووه يحيى حقي.. أين أنت يا رجل..! ليتني أملك سوط الجلاد أيها المبدع الكسول….”

ويستمر سيد في سرد مواهب وإبداعات حقي ويقارنها بتيمور وغيره.. حين يذكر أن حقي قليل الإنتاج مقارنة بغيره لكنه يتميز بالنوع والجودة والموهبة في هذا القليل.

أما تيمور مثلاً فإنه يكتب ويكتب ويكتب ولا بد أن يصادف شيئا جيداً في هذا الكثير الذي يكتبه!

ولازلت اذكر أيضا ما كتبه المرحوم العلامة محمود شاكر أبو فهر في كتابه القيّم “أباطيل وأسمار” عن ذلك الرجل المتواضع الذي زاره ذات يوم لأول مرة في منزله مع أحد الأدباء ثم اتصل به لاحقا يستأذنه في أن يكون صديقه وأن يزوره باستمرار! كان ذلك هو الإنسان المتواضع الأديب يحيى حقي، حيث أصبحا منذ ذلك الوقت صديقين حميمين بل إن بعض المصادر تنسب الأستاذية لشاكر والتلمذة لحقي إلى توفيا رحمها الله في العقد الأخير من القرن العشرين.

إذن كل تلك المقدمات التي قرأتها وسمعتها واطلعت عليها عن يحيى حقي و”قنديل أم هاشم” صنعت في داخلي شيئا عظيما عن هذا الأديب وانتاجه ذلك ربما في ظن بعض جعلت مسألة الحكم عليها وفيها مسألة سهلة وفيها نظر وعليها غشاوة!

إلا أنه بحق رغم كل ذلك كان ينقصني الكثير الكثير، وليس المعاين كالمخبر! ومن ذاق عرف، فكل الوصف الرائع حول قنديل أم هاشم وسلاسة وجمالية لغة وأسلوب يحيى حقي القصصي ، لا يغني كل ذك الوصف عن لحظات قراءته وتذوقه!

فلأول مرة أقرأ قصة- على كثر قرائتي لهذا الصنف الأدبي- بهذه اللغة الرائعة وسلاسة الألفاظ وروعة الأسلوب التي تخترق كوامن النفس وتفعل فيها فعلها، فأنت حينما تقرأ ليحيى حقي –وبالتحديد قنديل أم هاشم- فكأنما تشرب الماء، أو ترشف العسل ببراعته في الحبك اللغوي ورسم الصور بكل سهولة وأناقة ورشاقة لفظية.

تدور قصة قنديل أم هاشم حول ذلك الشاب “إسماعيل” الذي لا يؤهله معدله للقبول في الكليات المحلية المصرية فيقرر والده وبعد المشورة ابتعاثه للخارج في بريطانيا لكي يكمل دراسته ويعود طبيبا تفخر به العائله رغم مشقات البعد والفراق والضغط المالي على العائلة بسبب هذا الابتعاث.

ينقلب ذلك القروي إلى رجل آخر في بريطانيا ويعض ويصادق ويخالل وينجح أيضا في دراسته ويعود طبيبا للعيون ولكنه طبيب ثائر على العادات والتقاليد والرقى والتمائم متحديا وسابحاً ضد التيار السائد ليتجرأ ويحمل عصاه ويحطم “قنديل أم هاشم” ذلك القنديل المعلق فوق ضريح “السيدة” يأخذ الفقراء من زيته ليداووا به مرضاهم بكل أمراضهم ويهدوا له القرابين والهدايا.

وكانت النتيجة أن ثار عليه أهل الحي البسطاء وضربوه حتى كاد أن يهلك لينقذه زميله السابق حارس الضريح وراعيه.

يقرر الطبيب الشاب بعد ذلك أن يعالج خطيبته الرمداء في عيونها بطبه الحديث والذي شافى به العشرات في بريطانيا. لكن حالتها تسوء يوما بعد يوم حتى تكاد أن تفقد البصر تقريبا.

في النهاية يصل الشاب إلى مرحلة التصالح بين حداثته وتقاليده ويعود لزيارة الضريح.. ضريح السيدة غير مستغنيا عن علاجه الحديث.

هذه هي القصة باختصار والتي لن تغنيك عن قراءتها بالطبع، لكن الجملة الأخيرة لعلها تختصر كل فكرة القصة وهي معالجة أزمات التفاعل بين الشرق والغرب. بين الشرق المتخلف المتطلع لتوه لبريق الحضارة الغربية. بين بصر الغرب وبصيرة الشرق. بين عقل العالم الأول، وروح العالم الثالث. بين عقود وقرون من التخلف والتأخر الشرقي، وسنوات حديثة من التفوق والتقدم العلمي الغربي الرهيب.

لقد كان هذا شغل المثقفين والأدباء الشاغل في نصف القرن العشرين مع حقبة الاستعمار واقتراب نهايتها فكان الناس أصناف ثلاثة:

صنف رضي الغرب بمحاسنه ومساوئه وقرر الاندماج فيه وخلع هويته بشكل كامل.

وصنف انغلق تماما على نفسه وأغلق النوافذ بحجج كثيرة حتى ذوى ومات.

وصنف متوسط بين هذا وذاك أغلق الأبواب كلنه فتح النوافذ واستقبل الجديد بمحاسنه وترك مساوئه..

ولعل هذا الصنف الأخير هو ما حاول يحيى حقي رحمه الله عرضه ومعالجته من خلال قصة هذا الشاب المتمرد والحائر بين تقاليده ومجتمعه الذي كان ينظر إليه نظرة احتقار واشمئزاز ثم تصالح وتقدير بعد ذلك بعد أن أدرك أن لا عقل للغرب بدون روح للشرق.

هل انتهى هذا الصراع؟

لا أظن ذلك فما زلنا وحتى الآن نشهد العديدين من ذوي الصدمات الحضارية ممن خرجوا لأول مرة إلى ديار الغرب وجامعاته ومعاهده ليرسل خطاباته من هناك محتقرا لمجتمعاته وجامعاته وطلابها ومناهجها..غير متصالحا لا مع ذاته ولا مع أهله مكررا ذات الأخطاء وذات السلبيات. وقد لا يفيد مجتمعه حتى في النهاية بما تعلم ودرس. ان استفاد هو نفسه.

اقتباسات

يحيى حقي يصوغ ويسبك كل ذلك بتفنن وإبداع لغوي وفكري منقطع النظير.

انظر اليه وهو يصف وصول إسماعيل بالباخرة غلى الاسكندرية بعد انتهائه من دراسته:

“لماذا تتعمد البواخر كل هذا التلكؤ عن الوصول وما كان أسرعها عند الفراق! “

“إن من يلجأ إلى المشجب يظل طول عمره أسيرا بجانبه”

ويصفه ببريطانيا ويصف صديقته ماري:

“التعارف عنده اصطدام بين الشخصيان يخرج منه ظافراً أو خاسراً، التعارف عندها لقاء، والود متروك للمستقبل”

“من طلب أخلاق الملائكة غلبته أخلاق البهائم”

“إن هذه العواطف الشرقية مرذولة مكروهة لإنها غير عملية وغير منتجة وإذا جردت من النفع لم يبق إلا اتصافها بالضعف والهوان. إنما هذه العواطف قوتها في الكتمان لا في البوح”

“والنفس البشرية لا تجد قوتها ومن ثم سعادتها إلا إذا انفصلت عن الجموع وواجهتها، أما الإندماج فضعف ونقمة”.

وهنا يصف الشعب المسكين ولعله يصف كل الشعوب العربية:

“وما فائدة الجهاد في بلد كمصر ومع شعب كالمصريين، عاشوا في الذل قرونا طويلة فتذاوقوه واستعذبوه”

“هذا شعب شاخ فارتد إلى طفولته لو وجد من يقوده لقفز إلى الرجولة من جديد في خطوة واحدة، فالطريق عنده معهود والمجد قديم والذكريات باقية”

“إن المحب لا يقيس ولا يقارن وإذا دخلت المقارنة من الباب ولى الحب من النافذة”.

هنا يصف كيف وصل إسماعيل لمرحلة التصافي والتصالح مع ذاته ومجتمعه:

“أين أنت أيها النور الذي غبت عني دهراً؟ مرحبا بك! لقد زالت الغشاوة التى كانت ترين على قلبي وعيني. وفهمت الآن ما كان خافيا علي.. لا علم بلا إيمان”

“استمسك من علمه بروحه وأساسه، وترك المبالغة في الآلات والوسائل. اعتمد على الله ثم على علمه ويديه فبارك الله في علمه ويديه”

“ليس كل ما في الوجود أنا وأنت.. هناك جمال وأسرار ومتعة وبهاء. السعيد من أحسها. فعليك بها عليك”

بين موسم الهجرة والقنديل

ولعل يحيى حقي ابن تلك الحارة لم يكن يقصد أن نعود للتبرك بتلك الأضرحة وزيوتها لكنه أراد أن يوصل فكرة تصالح العلم مع الإيمان علم الغرب مع إيمان الشرق وانهى ذلك بنهاية سعيدة مشرقة.

وهنا تتوارد إلى أذهاننا رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح. فهي تعالج نفس الفكرة وتدور سياقاتها حول نفس الموضوع ونفس الطريقة بذلك الشاب الخارج من القرية السودانية المغمورة إلى بريطانيا لدراسة الأدب ليعود بعد نفس المدة من السنين في قنديل أم هاشم!! وتتوالى الأحداث.

لكن خاتمة موسم الهجرة لم تكن سعيدة بل كانت مفاجئة وكئيبة بغرق البطل في النهر وفي منتصفه وبتوصل الطيب صالح إلى حالة اللاتصالح واللاتوازن واللاخاتمة. !!!

هذا غير أن يحيى حقي كان أعف اللسان بكثير من الطيب صالح. رحم الله الجميع.

الحقيقة أني قرأت موسم الهجرة إلى الشمال مرتين منذ سنوات عديدة ولم أجد فيها ما يجذبني وما يشدني وما يعجبني من جماليات في الفكرة والأسلوب مقارنة بقنديل أم هاشم.

والغريب أن تلك الأولى نالت كبار الجوائز ووصلت إلى العالمية هي وصاحبها فيما أهملت القنديل رغم جودتها تماما!

أخير “قنديل أم هاشم تحولت إلى فيلم سينمائي.. ربما يعزي قليلاً شيء لمحبيها ومفضليها.

خمسة عشر كتابا تلهفت من أجلها كثيرا

الإثنين, 28 سبتمبر, 2009

n552362904_392077_3120[1]

للكتب في حياتي تاريخ عريق وعميق ابتدأته عندما طفقت أتسلق تلك المكتبات الخشبية العتيقة في منزلنا أطالع ببراءة وعدم فهم المجلدات الضخمة والمبهمة والمتنوعة مابين التاريخ والفقه والتفسير والأديان والأدب..إلخ من مكتبة قارب عمرها الآن ثلث قرن ومازالت تزداد ولا تنقص مع كل جيل يأتي إليها ويضيف عليها ما انتقته ثقافته وعصره ودور نشره!

أتذكر أني تعلقت كثيرا بكتب التاريخ فغصت في “البداية والنهاية” لابن كثير الدمشقي ولعل قصص مقتل عثمان وأحداث الفتنة والزلازل التي ضربت قبل غزو التتار أراضي الخلافة، ودولة الأيوبيين وحطين وغيرها من قصص هذا الكتاب العظيم لا تزال تضرب بعمقها في ذاكرتي!

وأخبار مكة للأزرقي الذي شدتني إليه تلك القصص الجميلة والروايات المتناقلة عن أهل البلد الحرام وما وقع في أرضهم من أحداث وقصص وأخبار.

وفتوح الشام للواقدي وتاريخ الملوك والأمم لمن قد نسيته ! وتلك الكتب و إن لم أكمل أغلبها لكنني قرأت فيها كثيرا حتى مللت وانتقلت للأدب، فقرأت 266 صفحة من “البيان والتبيين” للجاحظ ولم أفهم منها شيئا! وحماسة أبي تمام التي لا زلت أذكر منها:

أكمل قراءة التدوينة »

أمسية شعرية ثقافية مع الشاعر السوري الدكتور خالد هنداوي

السبت, 19 يوليو, 2008

اللقاء مع الدكتور خالد هنداوي على قناة المستقلة

حوار ماتع مع الشاعر السوري الدكتور خالد حسن هنداوي عن مدينة حماة السورية ونشأته فيها ثم حياته المتنقلة بعد ذلك ونماذج من شعره الجميل فنيا والصادق عاطفياً.

الحوار جرى على قناة المستقلة مع الدكتور محمود السيد دغيم في 10/8/2004 ولم أشاهدها في ذلك الوقت، لكني إلتقيت بعد ذلك بشهور بالدكتور خالد هنداوي وحدثني عن هذا اللقاء وقصيدته الجميلة في رثاء والدته التي لم يستطع زيارتها بسبب منع النظام السوري له:

أكمل قراءة التدوينة »

مرئيات

تابع جديد المدونة

التدوينات إلى إيميلك

تصنيفات

أوسمة

آخر الآراء