
“التاريخ ليس إلا سباقا لحلول واقع مكان آخر:
نعرف من أي يأتي وأين يجري،
لكننا لا نعرف في النهاية إلى أين يتجه ولا متى سينتهي”
أبو عبد الله الصغير
ألا تذكر تلك الأيام حينما كنت تلهث وراء المجلات الثقافية تقلبها ليلا ونهارا وتخوض بين أراشيفها في ذلك المستودع الذي ملأ الغبار صنادقيه الممتلئة بالمجلات والكتب القديمة..
تتحمل الحرارة العالية وتقفز من مجلة إلى أخرى، وعندما تقع عينيك على موضوع يخص الأندلس تقوم فورا باقتطاع وريقاته من المجلة أو الجريدة وتحفظه في ارشيفك ولا عجب فقد كنت تعشق الأندلس إلى حد الجنون بل وتتمنى أنها لو عادت إليك وبيديك.. كانت أحلام الطفولة والصغر والمراهقة والبحث عن إنجازات وانتصارات..
كيف كنت تتخيل نفسك تقود الألوية والجيوش وتعبر المضيق لتكرر سيرة طارق وموسى وابن تاشفين.. نعم انها أحلام المراهقة التي دفنت في مهدها..
ولا شك بأنك تذكر كيف وقعت عينيك على مقال في مجلة الفيصل الثقافية يستعرض رواية “المخطوط القرمزي” للكاتب الإسباني-الأندلسي الشهير أنطونيو غالا.. وكيف أن ذلك العرض المبتسر والغامض لم يعجبك رغم انه جذبك، وعزمت يومها على اقتناء ذلك الكتاب مهما كانت الأثمان.
كان مجرد الاسم ووقعه ورنينه “المخطوط القرمزي” يثير الرغبة والشوق والقشعريرة في آن واحد.
مرت الأيام ونسيت كل هذا، ثم أتى معرض مفاجئ للكتاب وذهبت إليه كالعادة، وفي إحدى دور النشر تلمح مجلدا صغير الصفحات، ممتلئها.. معنون بـ “المخطوط القرمزي.. يوميات أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس” فتلتمع عيناك وتعود الذاكرة سنين إلى الوراء.. وتختطف الكتاب وتدفع الثمن بدون أن تعيه حتى وتعود إلى بيتك غير واع لمحتواه ومشاهده لا أنت ولا أحد غيرك..
وتبدأ بالقراءة لمئات الصفحات، ولا تعجبك الترجمة غير الدقيقة من الإسبانية إلى العربية خصوصا للأشعار والموشحات الراقصة.
بل وتتعجب عن قصة تلك الكتاب وذلك المخطوط القرمزي..!! هل هو من خيالات أنطونيو جالا ..ذلك العاشق الأندلسي أم أنها شيء من الحقائق والخيال كما روت المقدمة عن أن تلك المخطوطات قد وُجدت بقبو مراكشي قديم في فاس بعد ان نُفي أبو عبد الله الصغير ووصلت إلى يدي “غالا” الذي صاغها رواية إسبانية لتترجم بعد ذلك إلى العربية!!
ومازال ذلك السؤال الملح في ذهنك أين ذلك الأصل العربي؟ وهل هنالك من اطلع عليه؟؟!! ويبقى السؤال بلا إجابة..
تقرا وتقرأ.. وترفض الرواية أن تنتهي حينما تطول مع تعدد المشاهدات والمغامرات الجنسية النسائية والمثلية لأبو عبد الله الصغير وفتاة غرناطة ومريمة وحسين وغيرهم!! وتتسائل -رغم متعة تلك المقطوعات لمراهق- تتسائل هل هي حقيقية فعلا أم أن عقلية المؤامرة تقفز لذهنك وتشك في أنها مدسوسة أم أنه مقدمة حياة طبيعية لأبو عبد الله الصغير الذي أضاع كل شيء وكان صاحب أول نكسة ونكبة عربية في التاريخ!!
تعجبك حمية أبو عبد الله الزغل وتسوئك خيانة حاشية الصغير ويغيظك ضعف شخصيته ولا حوله ولا قوته..
ولطالما عقدت المقارنات وأنت تقرا هذه الرواية بين أبو عبد الله الصغير وياسر عرفات وكل من استسلم لأعدائه.. وهل ياترى بعد تلك السنوات تصح تلك المقارنات!!
تأسرك حمية موسى بن أبي الغسان وثورته وتمرده على الواقع ودفاعه عن غرناطة حتى استشهاده أو اختفائه.. رغم خيانات الحاشية.. وتحزن عندما تقرأ عن “الآشي” الذي يقابل في زمننا هذا دحلان! وكيف عذب واعتقل وقتل المتمردين على اتفاقية “السلام” مع ملكي قشتالة..
تأسرك شخصية عائشة والدة الصغير ونباهتها وقوتها حتى في أكبر لحظات الذل والضعف التي فرضها ولدها..
يحيا الأمل فيك مع ثورة البشرات والأمة الأندلسية الشهيدة حتى تم اجتثاثهم كاملا وترى كيف خان القشتاليون كل العهود والمواثيق واخترعوا أبشع محاكم تفتيش وقتل وتعذيب عرفتها البشرية.. لقد كان هولوكوست أندلسي بامتياز لم يسبقه إليه أحدهم.. لكن لا أحد يبالي به أو يتذكره..
تعيش اللحظات الأخيرة مع كل الذل الذي تجرعه الصغير في المغرب وفي فاس ومراكش حتى مات هما وكمدا..
كعادتك تحب أن تبدأ من النهاية..
في جريدتك في مجلتك.. في كتابك.. تريد ان تقفز إلى النهاية.. ليأسرك الفهرس والملحقات والصور .. فتبدأ “كيساري” من آخر صفحة.. تفتح ذلك المخطوط من نهايته.. لتشاهد:

“المخطوط القرمزي” هي “مدونة” أبو عبد الله الصغير بعد أن نُفي إلى المغرب مع ماتبقى من أهله وعائلته تاركاً غرناطة خلفه يبكي عليها كالنساء.. حيث استقر في “فاس” ليصوغ هذه اليوميات والذكريات على تلك الاوراق القرمزية التي كانت تمثل الأوراق الرسمية لمملكة بني الأحمر في غرناطة
في تلك الرواية التي أسرتني صغيرا كما آلمتني وتضايقت منها في مواضع كثيرة نلاحظ أن التركيز فيها كان على الجانب الإجتماعي والحياة اليومية “للصغير” داخل قصره ومع أهله وحاشيته وخدمه بدئا من الصغر وأيام المراهقة وحتى توليه للحكم ومن ثم النفي والخروج. وهو حتى في تعرضه للأحداث السياسية والعسكرية يميل فيها إلى الجانب الإجتماعي واليومي الشخصي… ربما أدرك أبو عبد الله حقيقة “التدوين” منذ ذلك الوقت، ولعله كان أول المدونين.
يخبرنا أنتونيو غالا عن قصة تأليفه لهذه الرواية، حيث وقعت تلك المخطوطة الثمينة أول ماوقعت اثر اكتشافها من قبل معماريين فرنسيين في عام 1931 كانوا يدرسون آثار أبنية فاس التاريخية وبالتحديد جامع القرويين العريق فيها، عندما توصلا إلى حيز مغلق أو غرفة أسفل الجامع تمثل مكتبة قديمة تحتوي على نفائس الكتب والمخطوطات وتعود إلى خمسة قرون مضت ومازالت بحالة جيدة وتميزت عنها مذكرات أبو عبد الله الصغير آخر الملوك الزيريين في غرناطة بتجليد أنيق وكامل وبلون قرمزي ميزها عن بقية الكتب.

لكن فترة الاكتشاف تلك المتقطعة تداخلت فيها الكثير من الأيادي التي سرقت عدد من الكتب من بينها المخطوط والذي وصل ليد تاجر كتب باعه لمكتبة عرف عنها أنتونيو غالا فوصلت إلى يديه.
تلك كانت قصة المخطوط كما رواها غالا. والذي اعترف أن إضطراره إلى كتابة تلك الرواية بلغة واضحة للاوروبيين وبعد عودته إلى كتب التاريخ والمراجع والأخبار للمطابقة جائت حكايته باردة أحيانا ومتأججة أحيانا أخرى تتكامل وتتناقض وبترجمة غير أمينة!! (نعم غير أمينة!!) بحسب غالا الذي اعترف بذلك واضطر له حتى يكون النص “قريبا من أعيننا وأسماعنا”!
ويقول انه وبعد ذلك لم يصل إلى نتيجة محددة فيما يتعلق بحقيقة المخطوط.
ويجهل ما إذا كان مارواه أبو عبد الله صغير كله صحيحا أو أنه يميل به لصالحه (وأنا أرى أن أبو عبد الله سرد حياته بمنطقية وكاإعترافات مذنب أمام الكاهن!!).
كما أنه ليس متأكدا ما إذا كان قد كتبه كله بنفسه أم أملاه على واحد أو أكثر من أمنائه.
بل حتى يطرح غالا نظرية أن يكون العمل كله مختلق!
وهل كتب أبو عبد الله هذه المذكرات كلها دفعة زمنية واحدة بعد مكوثه في فاس أم على مراحل عمرية مختلفة! وغيرها من الاحتمالات التي خرج بها غالا بعد “ترجمته” المفترضة في صيغة رواية إلى اللغة الإسبانية.
ونحن بدورنا يحق لنا أن نضع احتمالات حول دقة ترجمة غالا وأمانتها وماإذا أضاف أو أنقص أشياءا ونصوص أخرى طالما لا يتوفر لدينا الأصل والمخطوط العربي حتى نطابق هذه الترجمة بل الترجمتين الإسبانية والعربية عن الإسبانية.
أما عن أنتونيو غالا نفسه، فهو كما يخبرنا المترجم “رفعت عطفة” عنه فإنه يعتبر من أهم الأقلام الإسبانية الذي يجيد الكتابة في مختلف الفنون الأدبية كالشعر والرواية والنقد والمقالة والمسرحيات كذاك.
ورغم أن رفعت عطفة يقول أن لا دور لغالا في ” المخطوط القرمزي” سوى الترجمة فإن الكلام السابق الذي أوردناه بلسان غالا نفسه حول تصرفه بالنص يناقض ماقاله رفعت تماما وعلى بعد صفحات بينهما!!
وغالا أندلسي إسباني يحب الأندلس كما يجب سورية جدا وله من القصائد: “ثلاثيات الوادي الكبير وقرطبة وغرناطة” و “قصائد سورية”، وله كذلك رواية ” الوله التركي”.
من مقولاته الشهيرة: ” أن العرب لم يغزوا الأندلس، ولم يفتحوها عسكريا، بل ثقافيا”
وهو بذلك يتبنى أطروحات ونظريات المؤرخ الأسباني “اغناثيو أولاغو” الذي له كتاب بعنوان “العرب لم يفتحوا الأندلس” وفيه يبطل نظرية الغزو العسكري واستحالة تحول ملايين الأرويسيين إلى مسلمين بالإكراه نتيجة دخول جيش مسلم من بضعة آلاف عربي وبربري.!
عموما تلك قصة أخرى طويلة يهمني أن أتعرض له بتدوينة مستقلة ومطولة بحول الله.
يعتبر غالا الأندلس جزء أصيل من الحضارة العربية والإسلامية بل هو يهذب بعيدا إلى سورية التي يراها ويحبها (حيث ولدت الأندلس من رحمها) ويقول عنها:
“كانت سورية بالنسبة إلي باهرة جدا. في السكرتارية الهادئة عادة قرات كثيرا عن تاريخها. كنا نطير من أقصى المتوسط إلى أقصاه الآخر. من بلاد هي ذيل لأوروبا لا ينسلخ عنها وفيها الكثير من أفريقيا (هو بالنسبة لي تمرين عام) إلى بلاد أخرى، هي أيضا على حافة أوروبا وعتبة آسيا. من مساجدنا التي تحولت إلى كاتدرائيات إلى الكاتدرائيات التي تحولت إلى مساجد، من تراكم ثقافاتنا إلى تراكم ثقافاتهم”
“في حماة التي تعاقبت على أرضها نيف وعشر مدن، أبكاني عنين النواعير التي تلعب بنور العاصي ومائه، كان مساءا ورديا، ولخرير الماء هذا اللون وكان نور الغروب مسموعاً. هضبة حلب الرمادية (الشهباء) حيث خيّم إبراهيم، تقوم على أنقاض حضارات أقدم منه بكثير. ودمشق المتقلبة ولا تتبدل، الحية كما الحياة، ومتكيّفة معها أكثر من روما وبيزنطة (ارتعشت يدي وأنا أكتب بيزنطة) هي الحياة المنبعثة من ذاتها..”
“كنت أشعر بشيء أخوي تماما في تلك الرحلة. كما لو أن العرب الأندلسيين يهمسون في عروقي بصلوات غير مفهوم. لا شيء يموت كليا، لا وجود للنسيان. وآمنت وقتها وما زلت باننا مجبولون مما ننساه ظاهريا”

“حصلت هذه الرواية على جائزة بلانيتا 1990 وهي من أهم جوائز الرواية في أسبانيا”
“طبعت هذه الرواية وأعيدت طباعتها أكثر من عشرين مرة حتى الآن ووصل عدد النسخ إلى أكثر من مليون نسخة”
لا أدري لماذا تذكرت كلمة “هراء” بعد أن رأيت اسم “حيدر حيدر” كمستشار أدبي لهذه الرواية
تلك قصة المخطوط القرمزي.. .. ذكريات أبو عبد الله الصغير منذ صغره إلى منفاه في المغرب.. استعرضت الجانب الرسمي والسلطني في سقوط الأندلس، كما رأينا سابقا كيف استعرضت “ثلاثية غرناطة” الجانب الشعبي لهذا السقوط الأليم.. تلك هي رواية ” المخطوط القرمزي” مملوئة هما ووجعا وجنسا.. وقعت خطأ أو عمدا بين يدي مراهق.. لكنها مرت بسلام..




![2781180896_780c070ba3[1] 2781180896_780c070ba3[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2010/01/2781180896_780c070ba31.jpg)
![n552362904_392077_3120[1] n552362904_392077_3120[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/09/n552362904_392077_31201.jpg)

