انتقل إلى المحتوى

OkBaH's Observations Blog – مدونة متابعات عقبة مدونة متابعات عقبة (مدونة عقبة مشوح) – الحياة طويلة بجلائل الأعمال، قصيرة بسفاسفها – مدونة شخصية ثقافية سياسية تقنية إعلامية سورية

318 مشاهدات

مصطفى محمود وثلاثية الثورة العقلية

12345 (6 صوت, معدل: 4.00 من 5)
Loading ... Loading ...

b0749153001[1]

ثلاث نقاط بارزة جدا استوقفتني في حياة الراحل الكبير مصطفى محمود رحمه الله.
1- الأولى: أنه لم يعش كما أسميها حياة (مستقيمة) -ليست بمعنى منحرفة- ولكن بمعنى حياة غير تقليدية غير هادئة فيها الكثير من العلو والهبوط والمنعرجات والمتحركات، حياة لا ثابتة، حياة مختلفة عن بقية القطيع (وهنا روعتها)،.. كان بإمكانه أن يدرس وهو المتفوق ويتفوق أكثر ويتخرج ويتزوج ويعمل ويفتتح عيادة ويكسب رزقه ويصبح ذو مال وذو جاه بمهارته الطبية ويتزوج وينجب أولاد وأحفاد ويصبح لديه أصهار وعائلة طويلة عريضة .. ثم يشيخ ويموت.. وانتهينا.. هذه هي الحياة القميئة – وهي الحياة التي يفاخر بها أكثر البشر ويسيرون عليها خصوصا “المتفوقين” منهم في الدراسة والعمل. لكنه اختار الأصعب والأسعد، وترك حياة الخاملين المتقوقعين الذين لا يتعدى نفعهم إلى غيرهم  وإن كانو “متميزين”!

2- الثانية: أنه لم يخضع لسلطة وعقول بعض ممن يسمون بعلماء الدين المحتكرين .. بل علم أن الإسلام أمره بالتفكر وإبداء الرأي على أساس الحرية المكفولة في ديننا، فأعمل عقله ولم يعطله ولم يتبع المذهب الفلاني والشيخ الفلاني.. فأبدع وأعجز ولاقى الكثير من الخصومات والمحن والتي لعلها أثرت على صحته وأودت أخيرا بحياته بعد معاناة طويلة مع مرضها.

3- الثالثة: أنه سلك طريق الشك للإيمان.. فأنتج إيمانا أقوى من الصلب.. إيمان يقارب إيمان الصالحين والأنبياء.. على طريقة سيدنا إبراهيم ومحمد صلى الله عليهم وسلم.. ذلك الشك الذي إن اجتزت دربه المظلم والمرعب والمحفوف بالمخاطر، فالسعادة كل السعادة في بلوغه.

وأي حلاوة ألذ وأطيب من طعم ثمره الذي أُخبرنا عنه والذي يتذوقه منا قليل من قليل من قليل.. ولعل مصطفى محمود وعلى درب المسيري رحمهما الله ذاقا هذه الثمرة وهذه الحلاوة، بعد أن توصلا إلى الحقيقة الكبرى بقلبهما وفكرهما وتأملهما و”تحنّفهما”..

أيضا مصطفى محمود لم يكن ثائراً بفكره على سلطة علماء الدين الإكليروسية فحسب بل على كل من يكبّل العقل سواءا كان نظام أو مدرسة أو طريقة أو حكومة، فهو ترك مدرسته ثائرا رغم توفقه بعد أن ضربه مدرس غبي خرج لتوه من أسمال التخلف العربي الثقيل والمجتمع المتأخر للوراء بأشواط بعيدة.

وهو هنا ذكرني بالعلاّمة المرحوم محمود شاكر رحمه الله عندما ترك الجامعة بعد أن رأى أستاذه القدوة والذي كان ينظر ليه نظرة المعلم المربي.. طه حسين.. رآه يسلك سبيلاً غير سبيل المنهج العلمي والأدبي ويسرق أفكار المستشرقين (مرجليوث) وينسبها لنفسه على ما فيها من عداء للدين وللعربية.. فترك الجامعة محتجا مصدوما وذهب خارج مصر مسافرا.. قبل أن يعود..

هؤلاء هم النجوم الذين لم يحيوا حياة طبيعية Typical كما يعُبّر البعض عنها.. ولم يرهنوا أنفسهم للتيار السائر وللمجتمع الطاغي بل كانوا خارجين دوما عن السرب بعقولهم الكبيرة وعلمهم الغزير..

تشارك مصطفى محمود مع المسيري أيضا بالنظرة التحليلية المتأملة لأصغر الأمور وأدقها من التي تمر علينا مرور الكرام وأخرج منها العجائب.

أدرك مصطفى محمود في نهاية عمره وبعد أن بلغ ما بلغ أن خدمة الفقراء والمساكين هي طريق مختصرة لرضى الله وغفرانه وتجاوز ما سلف منه من معاصي وذنوب فسلكها وأقام مسجدا للمصلين وعيادة للمرضى وجمعية للفقراء.. ولسوف يرضى بإذن الله..

لكنه قبل ذلك أقام مسجدا في عقله وفي صومعته الفكرية وفي حياته التي كانت مسجدا رحبا أدى فيها عبادة الله كما طلب منه وكما جعل غاية خلقه، خدم العلم وخدم الفكر وخدم الدين ثم ختمها بخدمة الفقراء والمساكين.

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

رحم الله مصطفى محمود وأجزل له العطاء وبلغه السعادة الأخروية بعد أن ذاقها في الأولى..وعوضنا بخير منه.

مواضيع متعلقة

الوسوم: , , , ,

http://okbah.cc/ok/?p=983
  • أخي عقبة موضوع متميز وأظهر الجانب الجميل للدكتور مصطفى محمود والذي أحضر فكر جديد خاف منه المتشددين ومع أن طريقة بين الشك والايمان يعتبر ارتدادا عن الاسلام والتسليم للخالق ولكنه سرعان ماعاد الى جادة الصواب بقوة ولكن بكثير من الجروح, وكما أسلفت لكل متميز نصيبه من المعارضين ولكل ناجح حظه ممن يعتقدون أنفسهم خلفاء لله في الارض مع انهم أبعد مايمكن الى ذلك.ودمت أخي
  • رحمه الله ...

    كلماتك و تحليلك رائعين جداً و حقاً هو كان انساناً مختلفاً ...
  • حزنت لموته لم أعلم الا قبل يومين :(

    غفر الله له و أسكنه فسيح جناته
blog comments powered by Disqus

مرئيات

تابع جديد المدونة

ألف كلمة

التدوينات إلى إيميلك

تصنيفات

أوسمة

آخر الآراء

التعليقات