“فهذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر.سجون متلاصقة..سجان يمسك سجان”
مظفر النواب
كان رقما مهولاً ذلك الذي قرأته منذ سنوات في جريدة الحياة اللندنية في نهاية الصفحة الأولى بمناسبة انعقاد مؤتمر المغتربين السوريين الأول عام 2004 برعاية الوزيرة بثينة شعبان! ويومها احتفظت بقصاصة الخبر للتوثيق والرجوع إليه لاحقا. الرقم كان 15 مليون مغترب سوري! أي ما يقارب عدد سكان البلاد تقريبا منذ سنوات.
هذا الرقم أو هذا العدد من المغتربين السوريين في القرن العشرين جعل سورية تنافس لبنان التي اشتهرت بذلك، حتى أنني كنت أقول لصاحبي المشتاق لوطنه دوما والذي يدعي أن ذلك فطرةً فُطر عليها الإنسان، كنت أقول له: انظر إلى اللبنانيين المغتربين، يهاجرون إلى أصقاع الأرض من أجل التجارة والرزق والعمل ولا يعودون بل ينشأ منهم خلقٌ آخر وسلالة وذريات جديدة وربما بل في الأغلب يتزاوجون مع السكان الأصليين! فأين الفطرة مما تدعي!
ومع ذلك يبقى ذلك الرقم السوري من المغتربين وخلال عقود قليلة مهولا بالفعل ، فهو حول البلاد إلى (مركز طرد حضاري) بامتياز بسبب هذا الكم الكبير وأيضا الكيفي والنوعي حيث أن أغلب هؤلاء الملايين الخمسة عشر هم من الكفاءات العلمية والبشرية المتميزة بل والنادرة التي تحتاج لهم البلاد لتطويرها وانتشالها من هوة التخلف الحضاري الذي يفرضه القمع السياسي بأشد ما يمكن.
ولازلت أذكر ذلك التقرير الذي يتحدث عن السوريين المهاجرين إلى الولايات المتحدة حيث أنهم يشكلون الطبقة الراقية والثرية جدا في المجتمع العربي هناك حيث يتنوعون مابين أطباء ومهندسين وعلماء وأساتذة جامعات وشيء من هذا وذاك!
المسألة قديمة ومتعددة الأسباب وما أثارها لدي هو رؤيتي للأستاذ الشيخ علي الطنطاوي رحمه وأنا أنتظر في أحد المراكز على شاشة التلفاز يتحدث شيئا من أحاديثه القديمة. لأقول كم خسرت سورية الكثير برحيله ورحيل غيره عن أرضها منذ عقود عديدة.
الشيخ علي الطنطاوي ترك سورية عام 1963 على كره منه ورغم حبه الشديد للشام وأهل الشام حيث نشا وترعرع، لكن لنحفظ التاريخ جيداً ، فسنة خروجه كانت سنة الانقلاب البعثي المشؤوم الذي دمر البلاد تدميرا ومازال حيث فرض الدكتاتورية العسكرتارية وأطاح بقامات مدنية وعلمية كبيرة ونخب مميزة عن إدارة البلاد وهو أول من نشر الطائفية حكرا في سورية بعد أن كانت لا تُعرف أبدا فميّز أناساً على آخرين وشيئا فشيئا تركزت الأمور من يد الحزب إلى يد الأصدقاء إلى يد الطائفة إلى يد العائلة إلى يد الفرد الأوحد ليتخذ الحزب ومازال مجرد شعار وواجهة لحكم سورية بالحديد والنار.
فهكذا كانت الدكتاتورية السياسية والانحدار الذي سادها هو من أهم أسباب تهجير المواطنين خارج أرضهم للبحث عن مراغم كثيرة بعد أن ضاقت عليهم سورية بما رحبت! فالسياسي القدير لم يعد يجد الاحترام والتقدير بل كل إهانة واحتقار إن لم يكن سجن وقتل تعذيب. (نور الدين الأتاسي وصلاح جديد كمثال فالأول خرج من السجن إلى البيت إلى القبر فوراً! والثاني مات في سجنه!)
لم يقف الأمر عند هذا الحد بل حتى من هاجر وهرب لم يجد المأمن فقتل في مهجره أو اغتيل.
فأديب الشيشكلي الذي زهد في الحكم وتركه طواعية (رغم دكتاتوريته العسكرية السابقة) قُتل في مزرعته في أمريكا الجنوبية على يد أحد الدروز الذي يدعي أنه اضطهدهم قديما!
وصلاح الدين البيطار الشريك المؤسس لحزب البعث قتل في فرنسا هو الآخر من قبل النظام السوري.
ومحمد عمران قتل أيضا هو الآخر في لبنان بعد أن كان أحد أركان النظام.
ونزار الصباغ اغتيل في أسبانيا في الثمانينات من قبل النظام السوري أيضا.
ومحمود ودعة قتل في يوغسلافيا من قبل النظام أيضا وهو الطالب الذي كان يحضر الدراسات العليا العلمية في جامعة هناك!
وبنان الطنطاوي-بنت الشيخ علي الطنطاوي- قتلت في ألمانيا في شقتها بعد أن قصد عناصر من المخابرات السورية زوجها الأستاذ عصام العطار لكي يقتلوه، فلما لم يجدوه قتلوها(وهويات من قتلها معروفة ومثبتة)!
وآخرين أيضا إن لم تعلموهم فالله يعلمهم!. وسأكتفي بذلك ولن أفتح ملف الإغتيالات السوداء في لبنان منذ السبعينات وحتى عام 2006!
أما من كتب له الله النجاة من شر النظام وكتبت له حياة فهم قامات علمية وسياسية بارزة أضاعتهم البلاد بسبب هذه الدكتاتورية.
فعلي الطنطاوي كان أديبا وفقيها وقاضيا وقانونيا وإذاعيا وإعلاميا ومؤلفاً بارزاً! وبعد انقلاب البعث لم يجد بدا في أن يرحل إلى أرض أخرى!
وخير الدين الزركلي الأديب والشاعر والدبلوماسي والمؤلف الشهير صاحب (الأعلام) لم يجد بدا في أن يهاجر ويكتسب جنسية أخرى ليعود دبلوماسيا محترما بعد أن فقد الاحترام في بلده! وهو القائل:
العين بعد فراقها الوطنا
لا ساكنا ألف ولا سكنا
ريانة بالدمع أقلقها
ألا تحس كرا ولا وسنا
وعمر بهاء الدين الأميري الشاعر والأديب الرقيق والدبلوماسي والسفير هاجر هو الآخر حين رأى الذل والظلم يتفشيان في البلاد كالسرطان!
وشكري القوتلي الزعيم الوطني الأول مات منفيا في لبنان.
محمد معروف الدواليبي السياسي البارع ورئيس الوزراء الأسبق والذي كان يسمى بالـ “الشيخ الأحمر” كان أيضا من ضحايا النفي والتهجير وهو القامة البارزة والسامية وصاحب الخبرة السياسية الكبيرة.. ذهب ليعمل مستشارا بإحدى الدول العربية ومات منذ سنوات في منفاه!
محمد المبارك الأستاذ والفقيه والقانوني والعالم والسياسي..مات منفيا عن وطنه في بداية الثمانينات بالسعودية وهو القامة العلمية الأكاديمية البارزة أيضا.
وقس ذلك على غير السياسيين والعسكريين فالكثير من الأدباء والعلماء والمثقفين رحلوا وهاجروا لان لا إبداع في أجواء تنعدم فيها الحرية والمساواة والشفافية والعدل!
وفي السبعينات والثمانينات وفي تلك الأحداث المؤسفة فقدت سورية من جديد الكثير من القامات والكفاءات العلمية والثقافية والأكاديمية المميزة جدا إما قتلا وجزرا وذبحا أو سجنا (وربما حتى الآن) أو تهجيرا حيث نفذ عشرات الألوف بجلودهم من تلك المجازر والسجون ليجدوا رزقا وسعة بعد أن عوضهم الله عن أوطانهم خيرا وبعد أن خسرت إمكانياتهم وكفاءاتهم واستفادت منهم دول أخرى!
أما في الزمن الحاضر والقريب فقد دامت الاعتقالات لكل من ينطق حرفا في الإصلاح شيبا وشبانا ولم تتوقف الاعتقالات حتى بعد انتهاء الأحداث المؤسفة في الثمانينات إذا استمرت طوال عقدي الثمانينات والتسعينات وعاودها الرئيس الشاب الذي نكث بخطاب قسمه وبقسمه واعتقل أعضاء لجنة اعلان دمشق وهم نخبة المجتمع من المثقفين والكتاب والأكاديميين وثلة من الشباب الحر!
وأجزم الآن أن ثلاثة ارباع الشعب يود الهجرة بعد أن ضاقت الأحوال جدا في الرزق والمعيشة والاستقرار! لكن إن هاجرنا كلنا فمن يبقى لإصلاح البلد وتغيير الوضع! ولكن إن بقينا فكيف يمكن أن نصلح! ما هي الوسيلة والطريقة والمنهج لذلك.!
أيام الخلافة العباسية، وحين تسلط على بعض الخلفاء كالواثق والمعتصم والمأمون بطانة سيئة من الشعوبيين والطائفيين والمعتزلة فساء الحكم و انتشرت دكتاتورية الخليفة وتسلط على العلماء فتألم لهذا الحال السيء أحد القادة العسكريين العرب في الدولة “أبو دلف القاسم العجلي” وذهب إلى بعض العلماء والوجهاء يستشيرهم في ثورة على الحكم القائم ،ولما لم يجد مناصرا لفكرته، أُحبط و رحل عن بلاده وهو يقول:
ومقام الكريم في بلد الهون
إذا أمكن الرحيل محالُ
حيث لا رافعاً سيفا من الضيم
ولا لكماة الرجل فيه مجال
في بلاد يُذل في عزيز قوم
حتى يناله الأنذالُ
فمتى يتحول (بلد الهون) إلى (بلد العز) ومتى ستعود الملايين الخمسة عشر إلى وطنها؟!
مواضيع متعلقة
الوسوم: الطنطاوي, دكتاتورية, سورية, شخصيات, ظلم, غربة, نفي, هجرة








![immigrants-420x582[1] immigrants-420x582[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/09/immigrants420x5821.jpg)







