“همك ما أهمك، وخواطرك من جنس همك”
عبد القادر الكيلاني رحمه الله
يعجبني أحمد الشقيري وهمومه الإصلاحية والتغييرية في مجتمعاتنا العربية المنهكة جدا، يعجبني لأنه وُجد في هذه الطبقة من يحمل مثل هذه الهموم وهذه النشاطات الممتازة فهو بالنهاية يساهم في سد أو محاولة سد ثغرة مهمة وكل ميسر لما خلق له.
هذه المرة يأتي “خواطر” في نسخته الخامسة من اليابان ليشبه بذلك رحلة سياحية إلى ذلك البلد الصناعي المتقدم الذي لطالما قرأنا عنه وشاهدنا عنه الصور والأفلام الوثائقية والتقارير الإخبارية والجولات المختلفة، لكن الجديد لدى الأخ أحمد هنا هو تأملاته وخواطره حول هذا البلد مقارنا وضعه بوضعنا العربي المتردي وهنا لا بد من النقاش وإبداء بعض الملاحظات و”الخواطر” على “خواطر5″
أولا: البرنامج جميل ورائع بلا شك كالأجزاء السابقة، لكن لا يستأهل تلك الضجة التي حدثت حتى قبل أن تعرض الحلقة الأولى ولا أظن أن الأخ أحمد يهمه هذه الضجة المزعجة التي قد تلفت النظر عن استفادة أفضل منه ولطالما أتقنا التصفيق بصوت عال دون الاستفادة هنا تذكرت الضجة التي اثيرت حول عدة مسلسلات وأعمال ناجحة (مع الفارق طبعا) كباب الحارة حتى تسببت هذه الضجة في فقدان الاهتمام بالأجزاء اللاحقة وملل الناس منها فنحن بطبيعتنا قصيروا النفس واستنفاد كل التوقعات والمدائح في جزء واحد قد يجعل أي ثغرة أو خطأ في جزء لاحق مهما كان صغيرا يسقطه من أعيننا إلى الأبد.
ثانيا: الخشية تكمن هنا من الأثر السلبي الذي قد يحدثه هذا البرنامج في نفوس العامة بعكس ما هو متوقع من دفع الناس إلى الإيجاب والعمل والاقتداء والتقليد، حيث أن كثرة المقارنة بحال متقدم قياسا بحالنا المتردي والمتخلف قد يدفع بقوة إلى الإحباط والبكاء على الإطلال نتيجة لحماس متدفق للإقتداء والعمل يوازيه فقدان للإمكانيات والجو والبيئة والوضع غير المهيأ في عالمنا لعمل ما عملته اليابان في نفسها!
التقليد المادي أم المعنوي؟
ثالثا: أخبرنا أحمد الشقيري أنه لن يركز كثيرا على التكنولوجيا اليابانية المعروفة والمتقدمة، ربما حلقة أو حلقتين، لكن حتى الآن أغلب ما شاهدته من الحلقات الماضية هو تركيز على التكنولوجيا وأجد في ذلك العذر كون أن هذا ما يلفت النظر مهما حاولت أن تتكلم عن شيء آخر في اليابان ففي النهاية القيم الأخلاقية والفضائل هنالك مرتبطة لديهم بما يتجلى بمظاهر التكنولوجيا الحديثة في كل المجالات والتي تخدم هذه القيم والفضائل!
أتذكر منذ سنوات كنت أناقش أحد الفلاسفة أو المثقفين حول الحكمة -ضالتنا- التي يجب أن نبحث عنها في الغرب ونحاول نقلها ، هل هي مادية أم معنوية! هل هي في الفكر والثقافة والقيم الأخلاقية (الأخلاق هنا كلمة نسبية) أم في العلم المادي والتقنية والمخترعات الحديثة، كنت أقف مع الخيار الثاني وكان صاحبي ينحاز إلى الخيار الأول ويعتبر أن أزمتنا هي فكرية ثقافية خُلقية بامتياز والنهضة العملية والتقنية هي نتاج طبيعي بعد ذلك للتقدم في ذلك المجال المعنوي.
ربما بعد هذه السنوات حان الوقت لأنحاز إلى صاحبي في خياره ورأيه وأن أنحي مقولة ميخائيل نعيمة المعروفة (الشرق بصيرة العالم والغرب بصره، الشرق قلب العالم والغرب عقله)، نعم قد يكون نعيمة محقا خصوصا فيما يتعلق بنا نحن العرب (أصحاب العواطف الشرقية المرذولة) كما يصفها الأديب يحيى حقي! لكن الأمر هنا أيضا نسبي. نحن نحتاج كباحثين عن الحكمة الضائعة إلى الكثير من القيم المعنوية والأخلاقية التي يمتلكها الغرب واليابانيون أيضا (لم أتوافق مع المفكر إبراهيم البليهي وإن كان يدعو لذلك إلى أن نظرته مختلفة ومنهزمة كليا!) نحن نحتاج إلى قيم الإتقان والأمانة وحرية الفكر والبحث العلمي ، إلى قيم التعامل الحسن والعدل والإنصاف والتسامح، وكلها قيم موجودة بكثرة في الغرب (وموجودة في ديننا الإسلامي أيضا لكن من يسمع!) نحتاج بقوة إلى تبني هذه القيم والعمل بها وصدقوني بعد ذلك ستتشكل النهضة العلمية والتقنية بكل سهولة وتلقائية وكنتيجة طبيعية لتبني والعمل بتلك الأخلاق المعنوية التي علينا البدء بها أولا ودراستها وفهمها والعمل بها وتطبيقها ولن نقل بعد عن الغرب أو عن اليابانيين في شيء بل سنزيد.
فأزمتنا أزمة فكرية ثقافية معنوية بالمقام الأول ونتيجة لتلك الأزمة نتج التخلف العلمي والتقني ولا حل لهذه إلا بتلك، بحل الأولى وكنس كل مخلفات القرون السابقة من عقولنا وضمائرنا وترسيخ القيم الحضارية والثقافية العالمية السامية في عقولنا وأخلاقنا و وعينا الجمعي.
ولعل التقدم العلمي والتقني الكبير الذي حدث في بعض الدول الدكتاتورية كالإتحاد السوفييتي الشيوعي وألمانيا النازية والعراق البعثي وغيرهم والذي زال وتدمر بنهاية تلك الأنظمة يثبت أن ذلك التقدم المادي ليس هو كل شيء وليس هو الأول إن لم يقم على أساس من القيم الأخلاقية والمعنوية الراسخة التي ذكرناها سابقا وهنالك مقولة طريفة تقارن بين سويسرا الوادعة وإيطاليا المتفجرة قديما: (في إيطاليا أيام حكم آل بورجيا، كان هناك رعب وقتل كثيران، وكانت هناك حروب ومعارك ومذابح، ولكن كان هناك أيضا ليوناردو دا فنشي ومايكل انجلو وعصر النهضة، فما الذي أنتجته سويسرا خلال 500 سنة من سلامها وديمقراطيتها غير ساعة الكوكو؟! )
التغيير قرار سياسي جماعي
رابعا: لقد أثبت التاريخ القريب بما لا يدع مجالا للشك فشل أو محدودية تأثير الجماعات والأحزاب والتنظيمات الإصلاحية سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو غيرها لعدة أسباب من أهمها انشغالها بمواجهات عنفية أو سلمية مع الانظمة المركزية القائمة أو مع محتل خارجي أو لتحجميها من قبل السلطات المركزية عمدا في بقعة ضيقة لتمارس نشاطاتها وأعمالها فيها، وهذا ما حدث بالفعل في الكثير من الدول العربية ليسقط بعدها المشروع النهضوي في الكثير منها أو لينحصر بدوائر ومجالات معينة.
إن قرار الإصلاح والنهوض والتجديد الشامل لأمة من الأمم أو لدولة ما هو إلا قرار جماعي شامل يقوم به الجميع بدءا من رأس الدولة إلى أصغر فرد فيها وهو أكبر من أن يقوم به فرد أو جماعة أو حزب أو تنظيم ما، بل يحتاج إلى توافق وتضافر ودعم كل الجهود لنشره وإنجاحه، والدولة هي الوحيدة القادرة على ذلك بسيطرتها وقدرتها على الوصول إلى كل فرد فيها وإمكانياتها الهائلة من أدوات ومعلومات وبيانات تستطيع توظيفها في خدمة هذا المشروع النهضوي الإصلاحي.
وكما يقول الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه: “إن الله يزع بالسلطان ما لايزع بالقرآن” ومشكلتنا الحالية فيما يبدو هي….. (تم حذفه من قبل الرقيب)
ولطالما نظرت وفكرت في مشاريع الداعية عمرو خالد الكثيرة أين صارت وأين أصبحت! وأهمها مشروع “صناع الحياة” النهضوي لقد بدأ ولمع سريعا ثم ما لبث أن خفت تماما ولم يعد يسمع به أحد ولا أدري هل مازال يعمل أم لا؟!
لم يكن ينقص مشروع عمرو خالد سوى القرار والدعم السياسي، لكن ما حدث كان عكس ذلك حيث حورب الرجل وأجهضت مشاريعه وضيق عليه في بلده، بل إنه و في بعض البلاد كسوريا اعتقل أفراد مجموعات “صناع الحياة” رغم أنهم لم يتعاطوا السياسة لا من قريب ولا بعيد!
لقد كانت الحركة النهضوية في الخلافة العباسية قرارا سياسيا بتبني المأمون بن هارون الرشيد لذلك ونشره لحركة الترجمة التي هي أس الإصلاح والتطور والتقدم، وبتقريبه للعلماء والمثقفين لمجالسه وتكريمهم ومكافئتهم وتفريغهم للعلم والبحث العلمي!
وقس على ذلك، اليابان وألمانيا كان قرارهما بإعادة البناء ونفض مخلفات الحرب المدمرة سياسيا بالدرجة الأولى تبناه الجميع من رئيس الدولة إلى عامل النظافة فتقدمتا بشكل هائل وفي سنين قليلة!
وماليزيا أيضا التي لولا تبني مهاتير محمد لقرار سياسي بالإصلاح لما وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
وأسبانيا التي لولا موت الجنرال فرانكو في السبعينات وتولي المتنور الملك خوان كارلوس كرسيه وتبنيه للإصلاح والانفتاح بقرار سياسي جريء.
بل إن أوروبا كلها وبعد أن خرجت من الحرب العالمية الثانية منهكة ضعيفة مدمرة، لم يكن هنالك من منقذ ومعمّر لها سور أمريكا من خلال مشروع مارشال الهادف لإعادة إعمارها والذي أعطاها الروح المادية والتقنية من جديد، لكنه أفقدها القرار السياسي المستقل وجعلها تابعة للقرار الأمريكي من خلال آليات وتحالفات عدة (كحلف الناتو مثلا) ولا يغرنك مشاغبات فرنسا الظاهرية خصوصا بعد مجيء ساركوزي إلى سدة الحكم.
ولك أن تقرأ الاقتباس التالي حول مشروع مارشال والذي يبين وضعه الاحتيالي على مهزومي الحرب العالمية الثانية:
“لقد وضعت نتائج الحرب الاحتكاريين الأوروبيين واليابانيين في حالة ذعر شديد من شعوبهم المدمّاة، فدفعهم الذعر إلى الرضى بالتبعية للأميركيين كحماة لأنظمتهم المتهالكة، وقادهم ذعرهم إلى الخيانة الوطنية، حيث مكنوا الأميركيين من الإطلاع بسهولة وبساطة على أسرار صناعاتهم المتفوقة، ووضع يدهم على كنوزهم العلمية والمادية والبشرية التي لا تقدّر بثمن!
لقد توجب على أولئك الأوروبيين واليابانيين الذين قبلوا برامج المساعدات والإعمار الأميركية الخضوع لشروط واشنطن، فانتشرت لجان المراقبة الأميركية في الدوائر الرسمية وفي إدارات الشركات للتدقيق في مدى الالتزام بتنفيذ البرامج، ولم تكن تلك، بالطبع، إلا مظاهر السيطرة الأميركية. أما اليابان فقد غدت مجرّد مستعمرة على مدى عقدين من الزمن، ثم تحوّلت إلى طرف من أطراف رأس المال الدولي الموحّد بزعامة رأس المال الأميركي!
إن ذعر البورجوازيات الأوروبية واليابانية من شعوبها قد دفعها إلى الاستجابة بلا تردّد للإملاءات الأميركية، وإلى الانخراط في الأحلاف، مثل حلف شمال الأطلسي الذي اتسع ليشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع، وليساعد في توحيد الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة في إمبراطورية جديدة تقودها واشنطن. وقد اقتضى قيام الإمبراطورية الأميركية الجديدة زوال كل أثر من نفوذ منفرد، مستقل، لأية دولة رأسمالية قديمة، غير أنه ما كان باستطاعة واشنطن تحقيق انصهار تلك الدول عن طريق مجرّد العنف والإكراه العسكري، الذي هو خاصية الاستعمار القديم، فكان عليها التوفيق بين حاجتها إلى المستعمرين القدماء كمساهمين في إمبراطوريتها يقفون معها ضدّ الشعوب، وبين نزعتها الاحتكارية التي لا يمكن أن تسمح لهم بالإحتفاظ بسياساتهم الاستعمارية المستقلة عنها. وهكذا فهي دعمتهم بالمال والسلاح لقمع الثورات والمقاومة، وفي الوقت ذاته وضعت نفسها في موقع القادر على توجيه الأحداث كي تخدم في النهاية مصالحها أولاً. إن هذا هو عين ما نراه اليوم يحدث في ليبريا والكونغو والعراق وفلسطين وأفغانستان، وغيرها، فإذا كانت هذه حقيقة مشروع مارشال في أوروبا واليابان، فكيف سيكون في نسخته العراقية الجديدة، المختلفة كل الاختلاف، من حيث الظروف ومن جميع النواحي، عن تلك النسخة الفظيعة اليابانية الأوروبية؟!”
انتهى الاقتباس.. ولك أن تحكم عزيزي المتابع على القدوة اليابانية الألمانية بعد ذلك كما تشاء
لنا في البرازيل قدوة
وتجربة البرازيل الحديثة الرائعة والتي يمكن أن تكون قدوة قوية لكل العرب في النهضة والتنمية ومحاربة الفقر والبطالة، حيث بدأت ونهضت مع مجيء الرئيس الحالي لولا دا سيلفا وتبنيه بقرار سياسي محكم بدء عجلة التنمية والإصلاح والنهضة لأمة البرازيل حتى باتت هذه الدولة النامية تتقدم بقوة وتنافس الهند والدول العظمى في المحافل الدولية والمشاريع العالمية الكبرى.
ماذا أيضاً؟ ابحث وستجد الكثير مما يشابه هذه الأمثلة لتدرك أن الأساس في الإصلاح الشامل والتقدم والتطور والعمران هو الإصلاح السياسي والذي إن تجاوزه المصلحون وانشغلوا بإصلاح اجتماعي أو ديني أو اقتصادي، فشلوا أو تحدد تأثيرهم بدائرة ضيقة، ولهم في التاريخ القريب والبعيدة عبرة لمن يعتبر ويدرك فقط.
نقطتنا المرجعية
خامساً: كلنا يعرف تلك القصة التي قرأها منذ صغره عن ذلك الشاب الياباني الذي درس في بعثة امبراطورية في ألمانيا وتعلم سر صناعة محركات الوقود ونقلها إلى وطنه! شيء جميل ولا أحد يماري في التقدم العلمي والتقني والمادي خصوصا لليابان وألمانيا التي دائما ما يضرب المثل بهما في نهضتهما الكبرى بعد هزيمتهما في الحرب العالمية الثانية وتدميرهما تماما من قبل قوات الحلفاء، واليابان أكثر كونها ضربت يقنبلتين ذريتين كانتا الأكثر بشاعة في تاريخ البشرية الحديث، دائما ما يضرب المثل في هاتين الدولتين كيف أنهما نفضا غبار الهزيمة والدمار ونجحا في سنوات قليلة في التقدم بسرعة فائقة في كل المجالات العلمية والمادية ليصبحا من أقوى الإقتصادات المنافسة في العالم، جميل هذا أيضا، لكن هنالك أمر مهم لا يمكن أن يمر ببساطة هكذا (لا أدري هل سيذكره الأخ أحمد الشقيري في حلقاته القادمة!) اليابان وألمانيا اللتان أوجعتم رؤوسنا بضرب المثل بهما إلى حد الإحباط ومنذ الصغر، فاقدتان للقرار والاستقلال السياسي (وإن كان الأمر عكس ذلك على الخريطة وفي محافل الأمم المتحدة) ولا زالتا تعيشان تحت بنود اتفاقية الاستسلام بعد هزيمتهما نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945م ومن آثار ذلك إلى اليوم هما القواعد العسكرية الأمريكية الرابضة على أرضهما والاتفاقيات الكثيرة العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تكبلهما تماما وتجعلهما حلفاء موثوقين لأمريكا إلى الأبد(الحقيقة أن كلمة حليف خطأ ،فالتحالف يكون بين دولتين قويتين متكافئتين فيما هما أتباع للقوة العظمى أمريكا لا أكثر) لذلك أن لدي قناعة وثقة أنه حتى في الجانب الاقتصادي التي تتفوق فيهما اليابان وألمانيا لا يمكن لهما مهما قوي اقتصادهما ونما أن يتجاوز قوة أمريكا الاقتصادية (رغم المشاكل الأخيرة) فلهما حد معين وذلك للاتفاقيات السابق ذكرها وللربط المحكم بالدولار الأمريكي كعملة احتياطية مقدرة عليهما أو مفروضة فرضا تاما وكل ذلك حدث بعد تلك الحرب العالمية المشؤومة.
بل إنه حتى الصين تلك القوة العظمى والمتقدمة بقوة (لا يمكن إغفال نهضة الصين وربما نشاهد أحمد الشقيري العام القادم فيها يقدم خواطر 6 !) حتى الصين المستقلة ظاهريا في سياساتها وقراراتها عن أمريكا والند القوي لها، لم تستطع أن تستقل اقتصاديا بشكل تام عن أمريكا تلك الدولة العظمى التي صاغت النظام العالمي الجديد في القرن الماضي لترتبط بها كل الخيوط والقوى الأخرى وتتحكم بها! حيث أنه ليس من مصلحة الصين إضعاف الدولار أبدا وكل احتياطها المالي هو منه، بل إنها تضخ في الأسواق منه عندما يضعف أو تحدث أزمة لتعيد التوازن إلى اقتصادها والعالم أجمع!
ولا يمكن طبعا أن ننسى الغزو الثقافي العولمي الأمريكي لليابان على وجه الخصوص والذي ألغى الكثير من التقاليد اليابانية الراسخة هنالك فباتت تنتشر التقاليع الغربية كقصات الشعر والألبسة والوجبات السريعة والعادات الكاوبوية!! وعندما اغتصبت فتاة (لم أعد أذكر أكانت يابانية أم كورية جنوبية فكلتا الدولتين تتشابهان في تجربتهما) من قبل جندي غربي من أحد القواعد هنالك أحدث الأمر ضجة زوبعية فنجانية لم تلبث أن خفتت وعادت الأمور إلى طبيعتها، بالإضافة إلى تقليم القوة العسكرية بشكل كبير لليابان وكوريا الجنوبية وهي تنقاد طائعة أو ذليلة إلى أي حرب تشنها أمريكا لتشارك فيما يسمى “قوات الحلفاء” سواءا في أفغانستان أو العراق أو غيرهما!
أما في ألمانيا فهي الأخرى مقلمة الأظافر عسكريا ومبتزة بشكل دائم من إسرائيل وأمريكا بسبب المحرقة اليهودية وغيرها وهنالك قاعدة عسكرية أمريكية لم تتزحزح عن مكانها إلى الآن!
ربما الأحرى لنا والأقرب لنا كقدوة شبه كاملة في هذا المجال هي ماليزيا (على بعض عللها السياسية) والتي نهضت علميا وتقنيا خلال سنوات قليلة وقياسية وقبل ذلك هي مستقلة (نسبيا) في قرارها السياسي والاقتصادي وأكثر بكثير من اليابان وألمانيا وحتى الصين وإن لم تصل إلى حد الكمال في هذا العالم الذي يحكمه القطب الواحد واللامتوازن.! لعل ماليزيا بحق هي الأقرب لنا هنا.
استطردنا كثيرا في هذه النقطة على طريقة شيخنا الجاحظ لكن المقصد هنا أن “القدوة” اليابانية غير كاملة وليست مثالية فيها نواقص وشوائب كبيرة ولا يجب اصلا أن تقدم على أساس أنها “قدوة” أو “نقطة مرجعية” كما تسمى، ونحن الفاقدين في عالمنا العربي لقرارنا السياسي والاقتصادي إضافة إلى القواعد العسكرية الغربية المتركز في أراضينا إضافة إلى احتلال أجزاء كبيرة من أراضينا ، إضافة إلى تخلفنا في المجال العلمي والتقني، كل ذلك يجب أن يوضح جيدا للعربي المسكين المحبط عندما يشاهد هذه المقارنات الظالمة أو تلك القدوات الموهومة. أتمنى بحق أن يوضح الأخ أحمد الشقيري ذلك في حلقاته القادمة.
سادسا: أتسائل كثيرا ومن خلال قرائتي للتاريخ العثماني، لتاريخ الدولة العلية العثمانية عن سبب سقوط تلك الإمبراطورية العظمى الممتدة بعيدا شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، هل طال عليها الأمد؟! وهل أنهكتها ثمانية قرون من الوقوف حقا وجرت عليها سنن الأولين والنواميس الكونية في التدافع؟!
لاشك بأن هذه السنن جرت وستجري عليها وعلى غيرها، لكن الدولة العثمانية لم تكن تعاني من ذلك التخلف العلمي والتقني الشديد.. بل واكبته، لكنها تخلفت في التطور الثقافي والقيمي، في تلك القيم الحضارية التي جعلتها رجلا مريضا بحق جعلت سقوطه أمرا حتميا وقضاءا مقدراً، وهذا ما نعاني منه اليوم في الكثير من أقطارنا حتى بتنا محتلين سياسيا وعسكريا وثقافيا واقتصاديا.
معادلة النهضة
إن القرار والمنهج الإصلاحي التغييري الشائع منذ بدايات القرن الماضي وإلى الآن خصوصا لدى الحركات الإسلامية بأن التغيير والإصلاح يكون من القاعدة إلى الرأس تدريجيا أو من النفس إلى العائلة إلى المجتمع إلى الدولة، أقول إنه منهج قد حانت لحظة مراجعته وتطويره وتصحيحه، خصوصا بعد كل تلك العقود من التجارب والعمل وللكثير من الأمثلة التاريخية القريبة والبعيدة وللعديد من الحجج التي ذكرناها آنفاً، وليس المقصود هنا أن يتم استبدال ذلك بالمعادلة العكسية (التغيير من الرأس) لكن المعادلة هنا مختلفة وشاملة، فنهضة أي أمة من الأمم لا تتأتي إلا بقرار سياسي جماعي تدعمه قوة معنوية ومادية يساهم فيه الجميع بلا خلاف أو اصطدام أو افتراق تقوده قيادة موحدة متفق عليها يساهم فيه الجميع من الرأس (القائد) إلى اصغر تابع أو مواطن أو فرد، ولا يمكن أن يقوم بذلك إلا دولة قوية حرة مستقلة ديمقراطية عادلة لا تعرف الظلم أبدا، لا يمكن لأي مشروع نهضة أن ينجح ويكون ذا تأثير كبير إلا بدعم قرار سياسي قوي يسخر له كل الإمكانيات والمصادر.
إننا لسنا بحاجة إلى أن نمر بتجارب اليابان وألمانيا المدمرة والكارثية والمحزنة حتى ننهض ونعمل ونتبع خطواتهما حذو القذة بالقذة.! وللأسف بعض دولنا احتلت ودمرت واستقلت ولم تفعل شيء.. فمتى سننهض؟
إن الكثير من النظريات النهضوية قد طرحت ونوقشت وأشبعت لكنها على قيمتها لم تتنزل عمليا إلى أرض الواقع حتى الآن لأسباب كثيرة اهمها عدم تبني قرار سياسي لها ودعمها، وراجع في ذلك إن شئت قديما نظريات مالك بن نبي ومؤلفاته ومشروعه النهضوي، وحديثا مشروع الدكتور جاسم سلطان النهضوي في سلسلة من مؤلفاته القيمة.
هل يمكننا بعد ذلك أن نصيغ معادلة النهضة على الشكل التالي:
نظرية نهضوية + قرار سياسي + عمل جماعي أممي = نهضة لتلك الامة
روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها” رواه البخاري ومسلم. فلا حسد يا أحمد الشقيري.. وأتمنى لجهودك المتميزة أن تثمر كما تحب وأن يؤازرك قرار سياسي فعال في مجهوداتك التغييرية، لعل وعسى تتحقق النهضة الشاملة التي ننشدها وتنشدها.
مواضيع متعلقة
الوسوم: أحمد الشقيري, ألمانيا, التطور, التنمية, الحضارة, الصين, النهضة, اليابان, ماليزيا









(3 صوت, معدل: 3.67 من 5)![n51889623729_2186[1] n51889623729_2186[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/08/n51889623729_21861.jpg)
![japan1[1] japan1[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/08/japan11.gif)
![3784[1] 3784[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/08/37841.jpg)







