عام وأيام قليلة مضت على حرب غادرة مجرمة ومجازر وحشية لم تشهدها البشرية إلا قليلاً على قطاع غزة المحاصر والجريح بتواطؤ عربي ودولي سكت عن هذه الحرب وأيدها ضمناً واُتخذ القرار فيها غدراً بتأييد من محور الاعتدال كسراً لسيطرة حماس على القطاع بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة لجرها إلى مستنقع السلام والخور الآسن أو محوها من الخارطة.
ليس هنالك من داع لشرح ارهاصات وظروف الحرب ومجازرها فحتى فاقد العقل يرى ببصره وبصيرته كيف تم التواطؤ وكيف استعد البعض لركوب الدبابة الإسرائيلية للعودة إلى القطاع المحتل من قبل فريق آخر بنظره! كل ذلك أصبح من الماضي الأليم وسيكتبه التاريخ ولن يرحم أصحابه أبدا كما قال ذات يوم أخي العزيز محمد إلهامي في تدوينته عن جدار الخائنين وأنا أكاد أشفق عليه من غضبه المتفجر وهو المكبل مثلنا لا يملك إلا صوته وقلمه ومدونته ولسان حاله يردد:
هيهات يا صاحبي آسى على زمن
ساد العبيد به واقتيد أحرار
وأكاد أقول له:
ومقام الكريم في بلد الهون
إذا أمكن الرحيل.. محال
حيث لا رافعا سيف من الضيم
ولا لكماة الرجال فيه مجال
في بلاد يذل فيها عزيز قوم
حتى يناله الأنذال
وأكاد أتخيل معه كيف بعد مئات السنين سيكتب المؤرخون هذه الحقية التاريخية المظلمة عندما تكالب عرب ومسلمون إخوة في الدم والعقيدة والجغرافيا.. كيف تكالب هؤلاء على إخوانهم وذبحوهم وحاصروهم ومنعوا عنهم الماء والغذاء والعلاج، ومنعوا عنهم كل قافلة مساعدة ومازالوا في خيانتهم وغيهم سادرين، في وقت يوجب عليهم كل منطق وكل قانون حتى شرائع الغاب التي لا أظنهم يرقوا لها، حتى هذه الشرائع توجب عليهم أن ينفروا خفافا وثقالا بكل ما أوتوا من قوة وسلاح ليدفعوا القتل عن إخوانهم والمجازر الوحشية بحق النساء والأطفال، لكنهم حتى أقل من ذلك لم يفعلوا وإن أفلتوا من عقاب الدنيا فأين هم من عقاب الآخرة الذي ينتظرهم فردا فردا عندما يقتص الله للشاة الجلحاء من الشاة القرناء .. فأين سيهربوا حينها .. أين!
كيف سأتخيل مؤرخا شبيها بابن كثير مثلا بعد حقب من الزمان سيكتب عن هذه الحرب عندما يقول.
ثم كان العام الثلاثون بعد الأربعمائة والألف من الهجرة النبوية المباركة وفيها شن الصهاينة الإسرائيليون حربا مدمرة ومجازر مروعة على أهل غزة قتلوا فيها الأطفال والنساء والرجال وهدموا العمران وأهلكوا الحرث والنسل وتواطأ معهم في ذلك ثلة من العرب والمسلمين ودعموهم وحاصروا أهل غزة وخانوا الله ورسوله في وضح النهار، واستشهد في تلك الحرب جمع من القادة والعظماء الكبار كالشيخ نزار ريان والقائد سعيد صيام وكم كبير من رجالات الأمة الشجعان الذين شهدوا وسيشهدون على خيانات كبرى من بني جلدتهم ودينهم!
أو كما قال أخي إلهامي:
يا لها من لعنة الله، ولعنة التاريخ، ولعنة أولادنا وأحفادنا حين يقرأون السبب، ربما لن يصدقوه، ربما ستسحقهم الدهشة، سيكوي كرامتهم الذهول، سيلعنوننا في قبورنا لو بقيت لنا قبور. إنه عصر يستحق أن يسميه التاريخ بحق “عصر العملاء” ويكتب فيه “وفيه استبد بالمسلمون أناس جبابرة خانوا الله ورسوله وباعوا الإسلام بثمن بخس وعملوا في خدمة اليهود والصليبيين أعداء الله حتى حاربوا معهم ضد المسلمين”.
الأنكى من كل ذلك هو المواقف الشعبية العربية من غزة على مستوى الفرد أو الجماعة سواء أثناء الحرب أو في ذكراها الأولى فكميات كبيرة منهم لم تسمع بها أصلا أو لم تتذكرها ولا يهمها أن يموت مئات الآلاف جوعا أو مرضا وهم على مسافات مئات الكيلومترات منهم فقط، سلبيون متقوقعون على ذاتهم ومتقولبون في أشكال خاصة وأبراج عاجية صنعوها لأنفسهم واستقلوا بها و “من ورائهم الطوفان” وكأنه ليس هنالك رابطة دم أو عقيدة أو لغة أو قومية أو جغرافيا وكأنهم لم يسمعوا بأنه “والله لا يؤمن من بات وجاره جائع” أو “من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم”.!
ليس هذا فحسب فبعضهم يتخذ حتى موقفا عدائيا لا يمكن وصفه إلا بالصهينة عندما يتقرب إلى ربه ويحمده بأنه لم يتبرع للفلسطينيين أثناء الحرب –وهي ولله الحمد لن تصل لا دنيا ولا آخرة! – وأنه ولله الحمد لم يقنت ويدعوا لهم أيضاً. هكذا بكل وقاحة. ولن تصدق بأنه عربي ومسلم!!!
وليس هذا فحسب أيضاً.. بل بعضهم ينظر إليك بازدراء.. شذرا مذرا!! إن أنت أظهرت تعاطفك لغزة ولفلسطين عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعية المختلفة –حيث سلاحنا الوحيد- وربما يقطع كل اتصال بك ويتهمك بصاحب الفورة العاطفية العدو لبلده وشعبه ، “فاضي أشغال” ، مضيع لنفسه!! ولم يعد هنالك حياء ولا أدب ولا عروبة ولا دين وتكاد تدعو عليهم بأن يصيبهم الله بما أصاب الفلسطينيين أو تردد قول الشاعر:
ومن يدري..
إذا ما ضاق بي صدري
فقد أدعو من الغضبِ
عليكم أبها العرب
وأنوي يا بني ديني
فيلجمني ويثنيني
نداء في شراييني
ينادني هم العرب!
فأهوي ثم أنتحبُ
فاحمد سيد الدنيا
إليكم كان ينتسب.
وأحمد صلى الله عليه وسلم بريء منهم إن شاء الله عندما يُصدون عن الحوض!
وانظر إلى المفارقة العجيبة في الموقف من الحرب على غزة وقتها وفي ذكراها الأولى:
فالمتعاطفين والمؤيدين لغزة من الشعوب المسلمة غير العربية أكثر من الشعوب العربية!
ونسبة المتعاطفين لها من غير المتدينين أكثر من المتدينين من العرب!
ونسبة المتعاطفين معها من غير المسلمين أكثر من المسلمين.!
وكل راصد لحراك الإنترنت والشبكات الاجتماعية والحملات والمظاهرات حول العالم يلمس ذلك بقوة ووضوح، ويكفي أن نرى تلك القافلات التي تخرج من جميع أنحاء العالم لفك الحصار تضم أناساً من جميع الجنسيات الغربية ويتحمل أصحابها المشاق والخسائر.. يتركون أهلهم وأطفالهم وأرزاقهم وأعمالهم ويقطعون آلاف الكيلومترات جواً وبحراً وبراً من أجل أم قضايانا! ونحن ننام على بعد كيلومترات من فلسطين في فرشنا الدافئة وهم يموتون بحصار فرضناه عليهم بأيدينا! عار مابعده عار ! وخيانة في وضح النهار.
هذه الخيانة التي تولى كبرها النظام المصري عندما لم يكتفي بمنع الغذاء والدواء ولو استطاع لمنع الهواء، بل شرع ببناء جدار تحت الأرض!! وهو كما قال أخي محمد إلهامي:
والآن فعلنا مالم يفعله أحد من الأولين والآخرين .. الآن نبني جدار فولاذيا تحت الأرض!!
جدار فولاذي .. وتحت الأرض!! من في الدنيا وفي التاريخ سمع عن بلد أرادت أن تحمي نفسها من عدو، فبنت جدار فولاذيا تحت الأرض.. ياللعار، بل يا للخيانة والعمالة والدياثة .. مصر تبني جدارا فولاذيا وتحت الأرض لتحمي نفسها!!
هل ألفاظ العجب والدهشة تكفي لوصف هذه الفضيحة غير المسبوقة؟
القصة نفسها مذهلة، ولا أحسب أن أحدا من خبراء العسكرية خطر بباله أن دولة قد تضطر لحماية نفسها بأن تبني جدارا فولاذيا تحت الأرض!
رحيل العظماء
في مثل هذه الأيام قبل عام ادعى مجموعة من المنهزمين والمتواطئين أن حماس تخبئ قادتها وتترك شعبها يُقتل، ولم يتأخر الرد الإلهي على مثل هؤلاء حينما ارتقى في مجزرة بشعة وفي فداء عظيم الشيخ الدكتور نزار ريان وتسعة عشر فرداً من عائلته بقصف إجرامي لمنزلهم في جباليا في تضحية كبرى لم يسمع بها أحد منذ عقود ، منذ مجارز النكبة عام 1948 بل وربما لم تتكرر تلك التضحية إلا في مدينة حماة السورية عندما ذبح مئات من أفراد عائلة واحدة وهي عائلة الكيلاني العريقة!

ثبت الشيخ نزار في منزله ورفض كل الدعوات للمغادرة عندما علم أنه إذا هزم وضعف وجبن كبير القوم وسيدهم وقائدهم فسيفر بقية السكان من منازلهم وسيتحقق مراد الصهاينة بتهجير آخر.. فصبر وصبر معه القوم ورأوا رأسه يسحق ويفتت في سبيل ربه بمنزله وأطفاله ونسائه يقطعون إرباً إرباً فهانت أنفسهم في عيونهم وثبتوا في منازلهم وخرجوا زرافات في جنازته تحت هدير الطائرات التي تقصف في كل مكان مجددين الولاء والبيعة يحملون على أكتافهم عائلة كاملة بأطفالها ونسائها ورجالها، فكان استشهاده وتضحيته انتصارا للفلسطينيين وفشلاً للإسرائيليين وهذا هو طريق المقاومة والتحرير.
لم يمض سوى أسبوعين حتى تقدم إلى مذبح الشهادة والحرية والمقاومة قائد معركة الفرقان الشيخ سعيد صيام الوزير المتواضع والمؤمن المجاهد وقضى هو وأفراد من عائلته في قصف آخر، فثبت الناس أكثر واحتضنوا المقاومة بشكل أكبر وارتد الخونة على أعقابهم ناكسين.
الشيخ سعيد صيام الوزير المتواضع والنظيف الذي يذكر بعض مرافقيه أنه توقف في دولة عربية في طريقه إلى دولة أخرى وبدل أن يسكنوا في فندق انتظارا للرحلة القادمة قال لهم، لماذا نسرف ونضيع آلاف الدولارات استئجارا لفنادق لسنا بحاجة لها وشعبنا أول بهذه الاموال فلننتظر بالمطار واستلقى على الكراسي الحديدية وغفا! فهؤلاء لن يهزموا وان تمالأت عليهم كل الأنظمة.
تلك الحرب وفي أيامها وفي ذكراها الأولى مازلت أذكر كيف ألجمتني تماما عن كل شيء حتى فقدت الرغبة في كل شيء.. في العمل.. في الكتابة .. في التدوين.. وما هذا الترف الجائح مقابل الدماء التي تسيل أنهاراً هناك!! منذ يوم مشاهدتي للشرطة المدنية أشلاءا وجثثا على الأرض.. منذ ذلك اليوم الذي دق قلبي فيه بعنف.. ومازلت أعاني من ذلك حتى الآن بين فترة وأخرى! واكتفيت حينها بمتابعة ونشر الأخبار منطويا على حزن وعجز شديد.. وما يجدي الكلام!
تلك الأيام أدركت رغم كل شيء أن نفس العدو قصير وسيتوقف في النهاية مهما بالغ في الوحشية وسيخفي حتما خسائره، لكن كل همي كان هو كيف سيفك الحصار وكيف ستعمر غزة من جديد وكان خوفي أن نعود للمربع الاول مربع الحصار والجوع وفوقه الدمار والخراب والدماء، وهذا ماتحقق فعلا عندما تواطئ العرب مرة أخرى ودائماً بإحكامهم للحصار والضغط سياسيا على قيادة غزة وتنفيذ أوامر إسرائيل بكل طاعة واحترام وتهذيب.

هنا نجيء لنوع جديد من مماليء الأعداء وأصحاب الذل والقرف من بني جلدتنا بل وحتى ممن يدعون “الإسلامية” عندما نفوا أن غزة انتصرت.. وكأنهم لا يعقلون! وكأنهم بحاجة إلى الرجوع إلى الصفوف الأولى لكي نعلمهم المنطق والعقل والأدب!
فحين تكون القوتين متساويتين كما ونوعا وحين نتحدث عن جيشين بتواجهان بنفس الإمكانيات ونخلص إلى نتيجة الحرب هذه، نقول بالفعل إن غزة وحماس هزمت وإن إسرائيل انتصرت، لكن الذي حدث خلاف ذلك عندما تقارن جيش من اقوى الجيوش في العالم بكل عتاده وبكل قوته الجوية التي ألقت آلاف الأطنان من القنابل والأسلحة المحرمة على غزة مقابل مجموعات مقاومة لا تحمل سوى الرشاشات والمتفجرات والصواريخ البدائية. حينها نقول بكل بساطة إن غزة والمقاومة انتصرت أعظم انتصار عندما أوقفت بهذه القوة الضئيلة جيشا من أقوى الجيوش وأحدثها عن التوغل في غزة وأجبرته على الانسحاب وسط صمت دولي مخزي.
بل وأكثر عندما أفشلت تحقيق كل أهدافه التي وضعها وأهمها تحرير الجندي الأسير أو حتى مجرد معرفة مكانه أو ايقاف الصواريخ التي لم تعرف أماكنها أو إبادة المقاومة التي لم تتأثر كثيراً أو إسقاط حكم حماس الذي قوي أكثر.. فمن انتصر بعد ذلك يا أغبياء؟
والآن الحصار يزداد، وجدار خياني فولاذي يبنى تحت الأرض وحملات متكررة لإغاثة غزة تمنع وتطرد من إسرائيل ومن عملائها وعبيدها!
أزمة الخطاب الديني
كل تلك المشاكل والمصائب لم تكفي حتى أتى ما يثبت أننا لا نعاني فقط على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي.. بل أيضا على الصعيد الديني وخطابه المتأزم والذي يحاول البعض أن يجمله ويظهره بحسن نية أو بسوءها بأنه متقدم وصحي وفعال ولا يعاني أي مشكلة ما! وكأنه أو كأننا لا نعيش سويا على هذا الكوكب أو في هذه المنطقة!
لقد جاءت فتوى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر حول شرعية ووجوب الجدار الفولاذي الخياني مع قطاع غزة كوسيلة فاضحة لتجويع الشعب هناك وضغطا على حماس وخدمة لإسرائيل وتنفيذا لأوامرها ليؤكد إرتكاس هذا الخطاب الديني السلطوي لأدنى وأسوء مرحلة يعيشها منذ قرون. وصدق من قال “إن الاستبداد الديني مظنة الاستبداد السياسي” طالما أن هنالك نفر من هؤلاء “العلماء” يفتون بأمر السلطان والحاكم وما يقبضون منه افتقارا لشرعية أو لأي استقلال. فعن أي خطاب ديني سليم نتحدث بعد ذلك! وبعد أن اثبت فشله في محافل وأحداث وقضايا كثيرة تولى كبرها شيخ الأزهر وأتباعه وأيضا علماء سلطة آخرون في دول عربية وإسلامية عديدة!
ورحم الله من قال:
“وموازين القدماء تجعل الاستقلال عن الحكام عنوان شرف وعز والتبعية لهم: قرينة مذلة”

أعمالنا وأضعف الإيمان
إذا كنت مكبلا وليس لديك غير هذه الوسائل الإلكترونية، فبإمكانك أن تدون وأن توقع على عرائض موجودة وان تسمع صوتك وتبرئ ذمتك كثيرا مما يحصل. إذا كنت تستطيع أكثر من ذلك فتظاهر إذا كان مسموحا هذا في بلدك أو إلتحق بأحد الحملات التي تتوجه إلى غزة وأهمها حملة الحرية في شهر مارس والتي سوف يقودها الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق الزعيم نيلسون مانديلا والرئيس الفنزويلي هوغو شافيز.
ولا تنسى مع كل هذا التبرع لإخوانك هناك بأي طريقة تجدها ثقة ومضمونة وأضعف الإيمان وهو الدعاء المتواصل لهم بالنصر وفك الحصار.
تفاصيل حملة للتوقيع على عريضة قانونية ضد الجدار الفولاذي.
حملة الحرية في شهر مارس لك الحصار عن غزة. (كن مؤيدا لها)
خارج السياق:
للأعزاء المتابعين والمهتمين حللت ضيفا في مدونة الاخت الفاضلة فوز بتدوينة بعنوان “بين أرائك القرآن ومجالسه” وأشكرها جدا على ثقتها وتعاونها.









![12093.imgcache[1] 12093.imgcache[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2010/01/12093.imgcache1.jpg)





