كان اليوم هو يوم عرفة.. وكان العام هو 2005 وكان المكان هو السودان.. حيث كنت على وشك التخرج من مرحلة البكالوريوس حين اتصل بي في ذلك اليوم الأخ العزيز مروان وعرض علي الذهاب معه ومرافقته مع الشيخ عدنان إسكندر رحمه الله أيضًا إلى أحد أرياف الخرطوم العاصمة، وهي قرية تدعى “العيلفون”، لنفطر هنالك سوية ونقضي أيام العيد وذلك في منزل الشيخ ياسر عثمان جاد الله النذير – أحد الرجال النبلاء والزعماء في محيطهم ومجتمعه- ونرجع بعد ذلك إلى دراستنا وأعمالنا.
رحبت بالفكرة فوراً، نظراً لرغبتي بالخروج من الجو الروتيني الممل والكئيب الذي أقضيه كل عام في هذا العيد الكبير وللتحمس بتجربة شيء جديد ومجهول لم أخض غماره من قبل.
توجهت عصرا إلى موقف الحافلات المزدحم والمتوجه بمركباته إلى ولايات السودان المختلفة حيث يعود أغلب قاطني العاصمة إلى قراهم وبلداتهم لقضاء العيد الكبير بين أهليهم وقد اخبرني الشيخ ياسر الذي استضافنا لاحقا أن عيد الأضحى يحرص فيه كل مواطن وكل عائلة على السفر إلى أهليهم بعكس عيد الفطر الذي يمكثونه غالبا في بيوتهم.
التقيت بالأخ مروان وبالشيخ عدنان رحمه الله واستقلينا الحافلة المتوجهة إلى “العيلفون” حيث تبعد مابين 20 إلى 30 كلم كما أذكر وربما أكثر من ذلك بقليل، وللمفارقة قلت لمروان ونحن بالطريق، أفكر أن أكتب انطباعاتي ومشاهداتي عن هذه الرحلة النادرة، وها أنا اليوم لم أفعل هذا إلا بعد أربع سنوات من حدوثها ومن ذاكرتي فقط لا من شيء آخر مكتوب!
كان الطريق زراعياً في أغلبه وعلى الجهة اليسرى كانت هنالك آثار بائدة لمملكة “علوة” و عاصمتها “سوبا” المسيحية في أيام خلت والتي أزالتهما مملكة “الفونج” الإسلامية التي كانت عاصمتها سنّار جنوبي العاصمة الخرطوم وذلك عام 1504 ميلادي. وآثار الحرب لا زالت بادية هناك من أبراج وحصون وقذائف قديمة. وأدت هذه الحرب إلى تخريب سوبا تماما وإزالة المسيحية من هذه المنطقة.
في النهاية كان هنالك مفترق طرق لاتجاهين أحدهما يذهب للعيلفون والآخر لقرية أخرى تدع باسم غريب وهو “أم ضوً بان” ! لما سألنا لاحقا عن معنى هذا الاسم شرح لنا الشيخ بأن هذه القرية تشتهر بحفظة القرآن والخلاوي المعروفة التي يجتمع فيها القراء لشهور طويلة ليلا ونهارا لحفظ كتاب الله، فكانوا يتحلّقون ليلًا ويشعلون النار في المنتصف لكي يقرأون على ضوئه وهكذا في بقية الحلق والخلاوي، فمن يمر بالطريق ليلا حينها سيرى تلك الأضواء النورانية مجتمعة كخلايا ومجموعات متفرقة ويسمع معها أزيز تلاوات الحفظة ومن هنا جاء الاسم : “أم ضوء بان” أو “أم ضواًبان”
وصلنا قبل أذان المغرب بدقائق وتوجهنا فورا لبيت الشيخ الفاضل ياسر جاد الله الذي رحب بنا أكبر ترحيب وأكرمنا أعظم كرم مما يشتهر به السودانيون ووجدنا ما لذ وطاب من طعام معروف ومشتهر وكذلك مما يختص به أهل المنطقة وذلك بحضور جمع من ضيوف الشيخ من وجهاء القرية و(أضواتها)
دارت أحاديث مختلفة ومتنوعة وطويلة بعد الإفطار إلى وقت خلودنا للنوم، الشعب السوداني مثقف بعامته فكيف بنخبه؟! وكان الشيخ يمتلك مكتبة قيّمة وغير ذلك له مؤلفات ومحاضرات بحكم منصبه ومسؤولياته، وكان الأخ مروان قد أخبرني أن الشيخ خطب عيد العام الفائت بأهل القرية فكانت خطبة جديدة غير تقليدية عليهم وأحدثت أثرا وتغييرا كبيرا في أفهامهم وتفكيرهم رغم انه ابن لهذه القرية التي يغلب عليها كعامة أرجاء السودان – الطابع الصوفي الساكن، فجاءت خطبة الشيخ لتبث الروح والحركة في هذه القرية، وهذا ما أثار البعض عليه فآثر الابتعاد هذا العام ولم يخطب العيد درءا لفتن لا تحمد عقباها.
هذا ما يعيدني هنا إلى الصراع بين التقليد والحداثة، بين الجديد والقديم، بين السكون والحركة، بين البقاء والتغيير.. دائما ما يسبب هذا الصراع آثار جانبية مميتة أحيانا وتكون المفاسد أكبر من المصالح فيؤثر أهل التجديد الابتعاد ولو مؤقتا ولعل في هذا حكمة في عدم استفزاز الناس وإثارة “عش الدبابير” بلا أي داع.
لكن في المقابل ينبغي عدم السكون بداع هذه المبررات وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه، وإنما البحث عن سبيل أفضل وطرق أكثر حكمة لتحقيق الاهداف التغييرية المنشودة.
الكثير أخبرني بأن العيد في الأرياف والقرى له طعم خاص ولذيذ بتلك النفوس الصافية والفطر السليمة التي لم تتلوث بشوائب المدينة والمدنية المزعجة، وهذا ما لمسته بنفسي صباح ذلك العيد الجميل. وليس المعاين كالمخبر.
استيقظنا لصلاة الفجر في يوم العيد وصلينا مع الشيخ والأصحاب وأقاربه في المسجد المجاور ثم عدنا إلى المنزل نتجهز لصلاة العيد، حيث لمست العديد من المعاني والمشاهد الجميلة، التي سأرويها لاحقا إن شاء الله.
(يتبع)
مواضيع متعلقة
الوسوم: الخرطوم, الريف, السودان, العيلفون, ذكريات, عدنان اسكندر, ياسر جاد الله





تحمست لقراءة المزيد
رحلة جميلة سأكون متابعة
متابعين ، أعجبني وأتفق معك في منهجية التغيير ..
أحب قراءة اليوميات وتسجيل حضور متحفز للمتابعة ..
اكتب اكتب يا عقبة
اكتب فانت تذكرني برحلة مشابهه
ولكني في مفترق الطرق …
اتجهت الى (ام ضو بان) في رمضان ـ
و العيد قضيته في قرية اخرى اظنها في شمال الخرطوم
القرية و السودان رواية جميلة … كنقاء اهلها … اتمنى ان تعود
ما زلت اتذكر تلك اللحظات جيدا
مع اني كثير النسيان
انتظر بقية الحلقات
ولنا في سردك عبرة ومتعة و رحلة سياحية
كل عام وانت بخير
(القابلة على امانيك) ^،^
دمت بخير
[...] مدونة شخصية ثقافية سياسية تقنية إعلامية سورية « يوميات العيد الريفية:حيث النقاء 0 [...]
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
متابع معك إن شاء الله في هذه الرحلة الشيقة في بلد أجهله تماماً
بالمناسبة أخي عقبة ماذا درست في السودان؟
كل عام و انت بخير
أهلا أختي نوفة..
أشكرك على التشجيع والمتابعة
أهلا آلاء..
تشرفت بحضورك..
تابعينا اليوم في الجزء الأخير
أخي أبو ياسين
شرفني حضورك يارجل
أشعر بأني أعرفك..
مصادفة جميلة تلك.. نفترق عند ذلك الطريق.. ونلتقي في هذا الفضاء الإفتراضي
سعيد بحضورك وأتمنى دوام التواصل
نلتقي على خير وتابعنا اليوم في الجزء الأخير
أخي الحبيب محمد
كل عام وانتم بخير
طمني عنك؟ لعلك بخير بعد هذه السيول والامطار أم أنك بسورية؟
درست طبعا بكالريوس علوم حاسوب
شكرا لمتابعتك أخي
يا هلا أخي عقبة
الحمد لله أموري تمام و السنة الله كتبنا انحج و الحمد لله الأمور ميسرة و نسأل الله القبول
و بالتوفيق إن شاء الله
لا أعرف عن السودان شيئا تقريبا،سوى صاحبة أو اثنتين من أطيب الناس قلبا
وأن أخي ذهب للدراسة هناك ذات زمن،وعاد بكثير من الذكريات التي لم يكتبها..لكنها كتبت على روحه.
شعب رائع،للأسف إعلامنا لم يتواصل معه بالقدر الكافي لتكون بيننا جسور ثقافية.
تابع الكتابة عقبة.. في الانتظار