
- الجزء الأول من الموضوع : يوميات العيد الريفية:حيث النقاء.
ليلاً ونحن ساهرون قال لي (فرغلي) أحد أصهار الشيخ: هل تعلم أنه من هذه القرية المغمورة خرج في ثمانينات القرن المنصرم 20 شخصا أو أكثر باتجاه أفغانستان للجهاد ضد السوفييت مع إخوانهم هناك، ومنهم من استشهد ومنهم من عاد ولن يبدلوا بإذن الله.
تعجبت جدا من هذه العاطفة الفوّارة التي تغلف أغلب شعوبنا العربية والإسلامية وأفرادها وهي حسنة محمودة إن وجدت من يقودها ويوجهها بالمسار الصحيح فتثمر انتصارات وانجازات إن ظهر ذلك العقل القائد المدبر الذي يقدح الزناد ويقود من نصر إلى آخر.
وهذا يعيدني أيضا إلى النقطة التي ذكرتها في الجزء الأول بان الشعب السوداني بعامته مثقف متابع للأخبار والشؤون السياسية، بل مسيّس حتى بقروييه وأريافه وأفراده، فترى الجميع حتى الفقير المعدم يمسك بيده اليمنى راديو أو “ترانزستور” يضمه إلى أذنه أينما ذهب يستمع به إلى المحطات العالمية وآخر الأخبار والمستجدات جاعلا شعاره: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” على عكس الكثير من السلبيين الذين نعايشهم.
أتذكر في تلك السنوات أني دخلت بيتًا قديمًا في إحدى الضواحي الأخرى القريبة من الخرطوم، فلم أجد من الكتب على إحدى الرفوف سوى “في ظلال القرآن” للشهيد سيد قطب رحمه الله. قلت سبحان الله، هل كان يدرك السيد الشهيد أن يصل علمه وقلمه إلى تلك البقاع المجهولة والبيوت الفقيرة!

صحونا لصلاة الفجر وذهبت إلى الوضوء وتأملت السماء الصافية المليئة بالنجوم والشهب والكواكب في مشهد نادر يحرم منه ولا يراه أبدا ابن المدينة الصاخبة والمشعة بالأنوار الاصطناعية! كان الجو بارداً في ذلك الشهر والماء بارداً مما زاد المعاناة لأسرع بخطاي إلى المسجد.
عدنا بعد ذلك نتجهز لصلاة العيد في الميدان الكبير، وهناك وإتباعاً للسنة خصوصا في الأرياف والقرى لا تؤدى صلاة الأعياد إلا في الميادين العامة والأرض الخلاء مما يعطي معنى مبهج ومختلف للعيد ولصلاته.
مشينا في الطريق الترابي وبمحاذاتنا البيوت المتواضعة وبعض المدارس وهنالك محطات كهرباء أنشئت حديثا لخدمة أهل القرية، كل شيء كان يبتهج وكل وجه كان يبتسم بفرحٍ مشروع وفطري رغم الفقر وقلة ذات اليد. إلا أنه العيد الذي يتساوى فيه الجميع بالبهجة والفرح والتكافل والعطف والرحمة.
امتلأ المصلى بسكان القرية بملابسهم البيضاء وبأطفالهم الصغار، كان مظهرنا كغرباء عنهم بالإضافة إلى مرافقتنا للشيخ ياسر ومن موقعه المحترم، كان ذلك زيادة في لفت الأنظار لنا والاهتمام وإظهار الاحترام والسلام والترحيب كعادة أولئك الفطريين بالترحيب بالغريب والحفاوة به.
لم ينس الشيخ ياسر أن يجعلنا نسلم على “الخليفة” وهو شيخ طريقة صوفي يتزعم القرية روحيا ودينيا فينادونه “بالخليفة” وهذا منتشر في اغلب القرى والأرياف السودانية، وهذا الخليفة لا يحتاج للكثير حتى يُعرف فهو مميز بلباسه الأخضر وعمامته الكبرى وبالأتباع الكثر من حوله من تلاميذ ومساعدين ومريدين بالإضافة إلى ذلك العلم الأخضر الكبير الذي تزينه عبارة الشهادة والتوحيد.
ومنصب الخليفة هذا تتوارثه ذرية معينة أبا عن جد، وكما أذكر فإن خليفتهم الأول كان من يدعى بـ ” العارف بالله إدريس ود الأرباب” ويوجد مسجد باسمه هناك كما أن مقامه موجود في مقبرة القرية والذي حرصنا على زيارته، على الأقل كان ذلك لي من باب الفضول خصوصا بعد أن أدينا الصلاة على أحد الموتى –وذلك بعد صلاة العيد- وقد رأيت من مظاهر التكافل والتعزية والدعاء للميت ومرافقة أهله مالم أره في أي مكان آخر، فهم معروفون بهذا التلاحم الإجتماعي العجيب والذي يراه البعض ربما مبالغا فيه.
في طريق عودتنا من مصلى العيد إلى منزل الشيخ ياسر –المسافة حوالي 500 متر تقريبا- شاهدنا أجمل مظاهر العيد في صباحه الأول هنالك بحق، الأطفال يلعبون بتلك الألعاب البدائية والشعبية المتوارثة بأقصى الفرح والسرور، أمام كل منزل تجد رب العائلة يقوم بنحر أضحيته تقربا إلى الله عز وجل، والكل حريص على ذلك مادام قادراً ليتصدق لغير القادر بلحمها وعظمها وجلدها.
نحر الشيخ ياسر أضحياته وبدأت مراسم إعداد الفطور الصباحي الشهي بمختلف الأصناف، ما أثار اعجابي ودهشتي هنا هو ذلك الكرم الكبير جدا بحق! كرم لا يضاهى ولا حتى بحاتم طيء! ولم أجده حتى في العاصمة..!
كانت الوجبة تُرفع من أمامنا لتأتي فوراً وجبة أخرى خفيفة أو شيء من “الحلى” أو موالح أو “تسالي” وهي المكسرات والمقرمشات، ولا أنسى العصير بأنواعه والمشروبات الساخنة والباردة وأشياء أخرى!
باختصار الموائد لم تكن تتوقف ولا لساعة واحدة بمختلف أشكالها منذ الفجر إلى ما قبل النوم وهذا ما أخجلنا بشدة وطالبنا الشيخ بأدب واستحياء أن لا يبالغ في هذا، فيرد علينا ضاحكاً بأنها “أيام أكل وشرب” ويحرص على الأكل معنا ومشاركتنا في كل شيء تشجيعا لنا!
اليوم الثاني للعيد كان يوم جمعة وكانت فرصة أن يخطب الشيخ عدنان اسكندر رحمه الله بالمصلين ويحدثهم عن أوضاع العراق ومأساته التي كانت في ذروتها آنذاك ولطالما تحدث الشيخ بهذه الأحاديث والقصص مع زوار الشيخ ياسر الذين كانوا يأتون زرافات ووحدانا ليتعرفوا على هؤلاء الغرباء الذين وطئوا قريتهم مؤخرا.
كان المفترض أن تدوم إقامتنا لليوم الثالث، لكني لم أعد أستطيع احتمال بضعة ظروف قهرتني أنا المدني في تلك الأجواء الريفية، فرغم حبي لهذا المكان وسعادتي بالعيد فيه، إلا أن عدة قضايا كان من أهمها “دورة المياه” عجلت برحيلي أنا خصوصا فكل ما هنالك فيها عبارة عن غرفة ضيقة خارجية أرضها تراب وبه حفرة ضيقة! وهذا مالم أستطيع التعامل معه أنا أبداً ولم أحاول بالأساس.
أخبرت الشيخ عدنان والأخ مروان بأنه ينبغي أن نعود وأن لا نطيل أكثر من ذلك، وبالفعل ورغم إلحاح المضيفين خرجنا بعد عصر اليوم الثاني شاكرين لهم حسن الضيافة والكرم وتلك السعادة الفطرية التي أشع به علنا هؤلاء القوم فملئت أرواحنا عيدا لا تزول ذكرياته، وحرص الشيخ ياسر بجلالة قدره كله على الخروج معنا مشيا وبمسافة طويلة إلى الشارع الرئيسي ليوقف لنا احدى مركبات أهالي القرية (سيارة نصف نقل) لنجلس في حوضها الخلفي المكشوف وأحدق في تقاسيم الشيخ عدنان رحمه تلك النظرات الأخيرة بعد أن ودع هذه الفانية إلى حيث الفوز الكبير.
كان الشيخ عدنان رحمه الله يحرص على تسجيل وتصوير كل شاردة وواردة لكن للأسف الشديد أخذها كلها معه إلى بلده ولم أظفر بشيء من شوارد هذه الرحلة النادرة التي اقتصرت في سردها على ذاكرتي بعد أربع سنوات، لعل وعسى نجحت في نقل شيء من تلك الصورة الوضيئة حيث العيد الحقيقي والفرح الأصيل بما شرع لنا الفرح لأجله.
مواضيع متعلقة
الوسوم: الخرطوم, الريف, السودان, العيلفون, ذكريات, عدنان اسكندر, ياسر جاد الله













