كعادتي كل فترة، توجهت إلى مكتبة جرير لأطلع على جديد الكتب وأقتني بعضها، تجديدا للفكر والعقل والنفس أيضاً، أحجمت فورا عن الكثير من الكتب وامتنعت عن اقتناء العديد منها لعدة أسباب ترسخت بعد زيارات كثيرة لهذه المكتبات التجارية:
1- فالملاحظ بشكل دائم فيها هو كثرة الغثاء والسخف في الناتج الثقافي العربي من مطبوعات وكتب، فهي إلى جانب قلتها ونسبتها الضعيفة مقارنة مع الدول الأوروبية والأمريكية، يغلب على هذا القليل التجميع والتقليد والنسخ والتفاهة.
2- غلاء الأسعار بشكل لا يطيقه النسبة الأكبر من المتسوقين وحتى أبناء الطبقة المتوسطة مقارنة بكتاب متوسط الحجم لا يستحق كل هذا المبلغ المرتفع!
3- أغنت الإنترنت عن الكثير من بعض الكتب كالموسوعات والمعاجم وكتب المعلومات وما شاكلها، فلا حاجة لاقتناء هذه الكتب وصرف المبالغ الطائلة عليه وهناك ما يغني عنها بطرق إلكترونية أسهل.
4- وجود صف طويل من الكتب التي تنتظر القراءة في مكتبتي وبيتي فلا داع للإكثار من كتب أخرى، وإنما مجرد تجديد وإضافات بسيطة هنا وهناك..
أنهيت جولة متوسطة الطول في المكتبة بأربعة كتب فوجئت عند المحاسب بأنها كانت جميعا روايات عن غير قصد، رغم أني لا أحرص كثيرا عليها وإنما أوازن بينها وبين العديد من الكتب الثقافية والفكرية الأخرى.
عدت إلى البيت وأخلدت إلى الأرض ووضعت حولي الروايات الأربعة وحاسوبا مفتوحا على مواد تقنية، فتخيلت أن أصحابها، أصحاب هذه الروايات وتلك المادة التقنية جالسون حولي في حلقة فريدة وكأنها –بما أن أغلبهم ميتون- جلسة تحضير أرواح ثقافية!
كنت أنا ويحيى حقي مع روايته “قنديل أم هاشم“.
ومعنا طه حسين وروايته “الأيام”.
وهناك حي بين الأحياء وهو أمين معلوف ورواياته “ليون الأفريقي”
ثم الراحل نجيب محفوظ وشيء من ثرثرته فوق النيل.
وإلى ركن قصي كان هنالك منذ قدم أنيس منصور وأيامه في صالون العقاد! لكن لم أضمه إلى تلك الجلسة الفريدة. ولي معه وقفة مريرة لاحقا!
وبشكل غير متجانس كان معنا بيل غيتس وشيء من مواد تقنية مطولة دراسة مني لأحد شهادات مايكروسوفت التقنية والتي لا نهاية لها.
احترت من أين أبدأ وفيما أثني ومن سأثلث به! لكن استقر الرأي دفعا من العقل الباطن على الرائع المرحوم يحيى حقي و فريدته “قنديل أم هاشم” التي ذاع بها صيته كعمل من أهم أعمال القصة القصيرة أو الطويلة قليلاً في القرن العشرين.
نحن هنا نتحدث عن قصة كتبت منذ أربعينيات القرن المنصرم ولطالما سمعت عنها وقرأت عنها الكثير من المديح والإشادة في الكتب والمجلات الثقافية والأدبية المتداولة، ولعل أهم من خصها بالنقد في ذلك الوقت بمقالة رائعة هو الأديب الشهيد سيد قطب رحمه الله ضمت بعد ذلك غلى كتابه القيّم: “كتب وشخصيات”
حتى بداية تلك المقالة ستأسرك وستنبئك بان فيضا من المديح سينثال على هذه القصة وعلى هذا الإبداع القصصي. حينما يستفتح سيد قطب مقاله هذا بـ :
“أووه يحيى حقي.. أين أنت يا رجل..! ليتني أملك سوط الجلاد أيها المبدع الكسول….”
ويستمر سيد في سرد مواهب وإبداعات حقي ويقارنها بتيمور وغيره.. حين يذكر أن حقي قليل الإنتاج مقارنة بغيره لكنه يتميز بالنوع والجودة والموهبة في هذا القليل.
أما تيمور مثلاً فإنه يكتب ويكتب ويكتب ولا بد أن يصادف شيئا جيداً في هذا الكثير الذي يكتبه!
ولازلت اذكر أيضا ما كتبه المرحوم العلامة محمود شاكر أبو فهر في كتابه القيّم “أباطيل وأسمار” عن ذلك الرجل المتواضع الذي زاره ذات يوم لأول مرة في منزله مع أحد الأدباء ثم اتصل به لاحقا يستأذنه في أن يكون صديقه وأن يزوره باستمرار! كان ذلك هو الإنسان المتواضع الأديب يحيى حقي، حيث أصبحا منذ ذلك الوقت صديقين حميمين بل إن بعض المصادر تنسب الأستاذية لشاكر والتلمذة لحقي إلى توفيا رحمها الله في العقد الأخير من القرن العشرين.
إذن كل تلك المقدمات التي قرأتها وسمعتها واطلعت عليها عن يحيى حقي و”قنديل أم هاشم” صنعت في داخلي شيئا عظيما عن هذا الأديب وانتاجه ذلك ربما في ظن بعض جعلت مسألة الحكم عليها وفيها مسألة سهلة وفيها نظر وعليها غشاوة!
إلا أنه بحق رغم كل ذلك كان ينقصني الكثير الكثير، وليس المعاين كالمخبر! ومن ذاق عرف، فكل الوصف الرائع حول قنديل أم هاشم وسلاسة وجمالية لغة وأسلوب يحيى حقي القصصي ، لا يغني كل ذك الوصف عن لحظات قراءته وتذوقه!
فلأول مرة أقرأ قصة- على كثر قرائتي لهذا الصنف الأدبي- بهذه اللغة الرائعة وسلاسة الألفاظ وروعة الأسلوب التي تخترق كوامن النفس وتفعل فيها فعلها، فأنت حينما تقرأ ليحيى حقي –وبالتحديد قنديل أم هاشم- فكأنما تشرب الماء، أو ترشف العسل ببراعته في الحبك اللغوي ورسم الصور بكل سهولة وأناقة ورشاقة لفظية.
تدور قصة قنديل أم هاشم حول ذلك الشاب “إسماعيل” الذي لا يؤهله معدله للقبول في الكليات المحلية المصرية فيقرر والده وبعد المشورة ابتعاثه للخارج في بريطانيا لكي يكمل دراسته ويعود طبيبا تفخر به العائله رغم مشقات البعد والفراق والضغط المالي على العائلة بسبب هذا الابتعاث.
ينقلب ذلك القروي إلى رجل آخر في بريطانيا ويعض ويصادق ويخالل وينجح أيضا في دراسته ويعود طبيبا للعيون ولكنه طبيب ثائر على العادات والتقاليد والرقى والتمائم متحديا وسابحاً ضد التيار السائد ليتجرأ ويحمل عصاه ويحطم “قنديل أم هاشم” ذلك القنديل المعلق فوق ضريح “السيدة” يأخذ الفقراء من زيته ليداووا به مرضاهم بكل أمراضهم ويهدوا له القرابين والهدايا.
وكانت النتيجة أن ثار عليه أهل الحي البسطاء وضربوه حتى كاد أن يهلك لينقذه زميله السابق حارس الضريح وراعيه.
يقرر الطبيب الشاب بعد ذلك أن يعالج خطيبته الرمداء في عيونها بطبه الحديث والذي شافى به العشرات في بريطانيا. لكن حالتها تسوء يوما بعد يوم حتى تكاد أن تفقد البصر تقريبا.
في النهاية يصل الشاب إلى مرحلة التصالح بين حداثته وتقاليده ويعود لزيارة الضريح.. ضريح السيدة غير مستغنيا عن علاجه الحديث.
هذه هي القصة باختصار والتي لن تغنيك عن قراءتها بالطبع، لكن الجملة الأخيرة لعلها تختصر كل فكرة القصة وهي معالجة أزمات التفاعل بين الشرق والغرب. بين الشرق المتخلف المتطلع لتوه لبريق الحضارة الغربية. بين بصر الغرب وبصيرة الشرق. بين عقل العالم الأول، وروح العالم الثالث. بين عقود وقرون من التخلف والتأخر الشرقي، وسنوات حديثة من التفوق والتقدم العلمي الغربي الرهيب.
لقد كان هذا شغل المثقفين والأدباء الشاغل في نصف القرن العشرين مع حقبة الاستعمار واقتراب نهايتها فكان الناس أصناف ثلاثة:
صنف رضي الغرب بمحاسنه ومساوئه وقرر الاندماج فيه وخلع هويته بشكل كامل.
وصنف انغلق تماما على نفسه وأغلق النوافذ بحجج كثيرة حتى ذوى ومات.
وصنف متوسط بين هذا وذاك أغلق الأبواب كلنه فتح النوافذ واستقبل الجديد بمحاسنه وترك مساوئه..
ولعل هذا الصنف الأخير هو ما حاول يحيى حقي رحمه الله عرضه ومعالجته من خلال قصة هذا الشاب المتمرد والحائر بين تقاليده ومجتمعه الذي كان ينظر إليه نظرة احتقار واشمئزاز ثم تصالح وتقدير بعد ذلك بعد أن أدرك أن لا عقل للغرب بدون روح للشرق.
هل انتهى هذا الصراع؟
لا أظن ذلك فما زلنا وحتى الآن نشهد العديدين من ذوي الصدمات الحضارية ممن خرجوا لأول مرة إلى ديار الغرب وجامعاته ومعاهده ليرسل خطاباته من هناك محتقرا لمجتمعاته وجامعاته وطلابها ومناهجها..غير متصالحا لا مع ذاته ولا مع أهله مكررا ذات الأخطاء وذات السلبيات. وقد لا يفيد مجتمعه حتى في النهاية بما تعلم ودرس. ان استفاد هو نفسه.
اقتباسات
يحيى حقي يصوغ ويسبك كل ذلك بتفنن وإبداع لغوي وفكري منقطع النظير.
انظر اليه وهو يصف وصول إسماعيل بالباخرة غلى الاسكندرية بعد انتهائه من دراسته:
“لماذا تتعمد البواخر كل هذا التلكؤ عن الوصول وما كان أسرعها عند الفراق! “
“إن من يلجأ إلى المشجب يظل طول عمره أسيرا بجانبه”
ويصفه ببريطانيا ويصف صديقته ماري:
“التعارف عنده اصطدام بين الشخصيان يخرج منه ظافراً أو خاسراً، التعارف عندها لقاء، والود متروك للمستقبل”
“من طلب أخلاق الملائكة غلبته أخلاق البهائم”
“إن هذه العواطف الشرقية مرذولة مكروهة لإنها غير عملية وغير منتجة وإذا جردت من النفع لم يبق إلا اتصافها بالضعف والهوان. إنما هذه العواطف قوتها في الكتمان لا في البوح”
“والنفس البشرية لا تجد قوتها ومن ثم سعادتها إلا إذا انفصلت عن الجموع وواجهتها، أما الإندماج فضعف ونقمة”.
وهنا يصف الشعب المسكين ولعله يصف كل الشعوب العربية:
“وما فائدة الجهاد في بلد كمصر ومع شعب كالمصريين، عاشوا في الذل قرونا طويلة فتذاوقوه واستعذبوه”
“هذا شعب شاخ فارتد إلى طفولته لو وجد من يقوده لقفز إلى الرجولة من جديد في خطوة واحدة، فالطريق عنده معهود والمجد قديم والذكريات باقية”
“إن المحب لا يقيس ولا يقارن وإذا دخلت المقارنة من الباب ولى الحب من النافذة”.
هنا يصف كيف وصل إسماعيل لمرحلة التصافي والتصالح مع ذاته ومجتمعه:
“أين أنت أيها النور الذي غبت عني دهراً؟ مرحبا بك! لقد زالت الغشاوة التى كانت ترين على قلبي وعيني. وفهمت الآن ما كان خافيا علي.. لا علم بلا إيمان”
“استمسك من علمه بروحه وأساسه، وترك المبالغة في الآلات والوسائل. اعتمد على الله ثم على علمه ويديه فبارك الله في علمه ويديه”
“ليس كل ما في الوجود أنا وأنت.. هناك جمال وأسرار ومتعة وبهاء. السعيد من أحسها. فعليك بها عليك”
بين موسم الهجرة والقنديل
ولعل يحيى حقي ابن تلك الحارة لم يكن يقصد أن نعود للتبرك بتلك الأضرحة وزيوتها لكنه أراد أن يوصل فكرة تصالح العلم مع الإيمان علم الغرب مع إيمان الشرق وانهى ذلك بنهاية سعيدة مشرقة.
وهنا تتوارد إلى أذهاننا رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح. فهي تعالج نفس الفكرة وتدور سياقاتها حول نفس الموضوع ونفس الطريقة بذلك الشاب الخارج من القرية السودانية المغمورة إلى بريطانيا لدراسة الأدب ليعود بعد نفس المدة من السنين في قنديل أم هاشم!! وتتوالى الأحداث.
لكن خاتمة موسم الهجرة لم تكن سعيدة بل كانت مفاجئة وكئيبة بغرق البطل في النهر وفي منتصفه وبتوصل الطيب صالح إلى حالة اللاتصالح واللاتوازن واللاخاتمة. !!!
هذا غير أن يحيى حقي كان أعف اللسان بكثير من الطيب صالح. رحم الله الجميع.
الحقيقة أني قرأت موسم الهجرة إلى الشمال مرتين منذ سنوات عديدة ولم أجد فيها ما يجذبني وما يشدني وما يعجبني من جماليات في الفكرة والأسلوب مقارنة بقنديل أم هاشم.
والغريب أن تلك الأولى نالت كبار الجوائز ووصلت إلى العالمية هي وصاحبها فيما أهملت القنديل رغم جودتها تماما!
أخير “قنديل أم هاشم تحولت إلى فيلم سينمائي.. ربما يعزي قليلاً شيء لمحبيها ومفضليها.







![2781180896_780c070ba3[1] 2781180896_780c070ba3[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2010/01/2781180896_780c070ba31.jpg)
![n552362904_392077_3120[1] n552362904_392077_3120[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/09/n552362904_392077_31201.jpg)
![ak everest 2[1] ak everest 2[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/07/akeverest21.jpg)











