إنه قبل كل شيء ، كان المسيري الإنسان، قبل أن يكون مفكراً أو باحثاً أو مؤلفاً أو فيلسوفاً، كان إنسان وكفى، ولو لم يكن ذلك الإنسان بكل ما تعنيه وتنضح به هذه الكلمة من معاني عديدة، لما احتفينا به ولما عددناه من كبار المفكرين في تاريخ أمتنا ونهضتنا.
لم يكن المسيري رحمه الله من النوع الذي يسكن الأبراج العاجية ويحيط نفسه بالأسوار الذهبية، أو يعد نفسه من أرقى طبقات الشعب التي تنظر بشزر وإزدراء لمن تحته على طريقة فلاسفة اثينا القدماء!
كان قبل كل شيء ذلك الإنسان البسيط الذي يختلط بعامة الشعب ويرتدي أرخص الملابس ويقتات بقوت العامة، يكتب نظريته الفلسفية والفكرية ثم يهرع من فوره إلى الشارع لينزلها عملياً على أرض الواقع ، وهذا هو سر عظمته ومجده الفكري والفلسفي. ولعل في ذلك مواقف:
- حينما أخبرت الأستاذ حسام تمام بالكم الهائل من المشاركين المحشودة أسمائهم في فريق عمل الموسوعة، قال لي: إنه المسيري الإنسان صاحب القلب الطيب، فكل من أتى إليه بصفحة أو كتاب أو قطعة (جرنان) أو نضّد معه حرف أو سطر، سجّل المسيري اسمه في فريق عمل الموسوعة. إنه الإنسان بحق، ليس هذا فحسب، ولكنها الأمانة العلمية وحفظ الحقوق واحترام الجهود ولو كانت قليلة، فأين نحن من ذلك؟!
- عندما زرته الزيارة الأولى والأخيرة عام 2007 في منزله، دلفنا على غرفته الخاصة التي شهدت كل آلام مرضه الأخير، كان وقتها يأكل طعاماً وقال لنا: اعذروني فهذه أول لقيمات لي بعد صوم دام أكثر من أسبوعين تحولت بعدها إلى وحش طعام جائع. حينها دخل علينا حفيده أدهم، ليترك المسيري كل شيء من يده ويضم حفيده ويقبّله ويسأله عن أحواله ودراسته وماذا فعل وماذا أنجز، وعن أدق التفاصيل الصغيرة في حياة الأطفال.
- موقف آخر لن تملك أمامه إلا مشاعر فياضة بالحب للمسيري الإنسان ، ففي المراحل ما قبل الوسطى في كتابة الموسوعة ذلك العمل الضخم، كان رحمه الله يستعين بإداريين وباحثين ومساعدين لمشاركته ومعاونته في العمل.
* فكان بعضهم يكتب كلاماً غثاً، لا يصلح للنشر ثم يطالب بمكافأته من المسيري ويضطر إلى دفعها لهم!
* وكان أحدهم يسرق منها مداخل ومقالات لينشرها باسمه ، فيغض النظر عنه!
* وكلّف أحد الرسامين بالإشراف الفني على الموسوعة وأخذ نصف أتعابه ولم يفعل شيء ولم يرد ما أخذ!
* وهناك مدير الموسوعة الذي كان يتلقى راتباً شهرياً ويترفع عن القيام بأي مهمة!
فلم يبذل المسيري من جهده ووقته وصحته فقط على الموسوعة بل من ماله الشخصي الكثير الكثير. وهذا من أعظم الجهاد، ودائما ما أتذكر هنا (مداد العلماء يوزن بدماء الشهداء).
- التواضع الكبير وروح النكتة التي جعلته قريباً إلى الناس وقريباً منهم، فهو كان يلبس المستعمل والشورت أيضاً ! ولا يتركها حتى تبلى تماماً (عملاً بمبدأ التدوير والاقتصاد الذي يتبناه). حتى إن زوجته عندما كانت تتبرع بالملابس للفقراء كانوا يقولون لها: (والنبي إلا ملابس البيه!)
وقد عانى هو وزوجته من شظف العيش عندما ذهبا إلى أمريكا عام 1963م واضطرا للسكن في فندق رخيص قذر واضطروا لشراء المعاطف المستعملة اتقاءاً لبرد الشتاء القارس، ولم يأنف المسيري عن العمل بأي وظيفة مثل عضوية فرقة مكافحة الحريق في مصنع الكابلات بأمريكا وغيرها.
- الحساسية العالية: فبعد ربع قرن من كتابة الموسوعة تفاخر فيها المسيري رحمه الله بأنه لم يكن يفكر في غيرها حتى في نومه ولم يكن جهازه العصبي يستجيب لسواها، إلا أنه وبعد الإنتهاء منها مباشرة نالت منه بأشد ما يمكن حيث وعندما جاءه خبر وفاة زوج ابنته ،أفقده القدرة على النطق لفترة، وبدأ يشعر بالدوار وسقط على الأرض أكثر من مرة، ويبدو أن جهازه العصبي أصبح متفرغاً للتنبه لأي شي يثير مشاعره الفارطة، ففي أحد المرات قبّله طفل صغير، فتأثر وكاد يسقط على الأرض من الدوار الشديد. ومرة رأى خادمة صغيرة تحمل أثقالاً فتأثر وحزن من أجلها وكاد أن يفقد القدرة على المشي! إنه الإنسان المسيري.
- أما مرحلة المرض التي مر بها المسيري لسنوات عديدة قبل وفاته فقد كشفت له الكثير من الجوانب الإنسانية المخفية عنه كعيادة المرضى ومساعدة الآخرين والتعاطف والتراحم مع المعوقين ، وهو وإن لم تكن هذه المعاني قد غابت عنه إلا أن الانعزال لربع قرن مع الموسوعة، جعلته شبه مقطوع الصلة بالعالم الخارجي ومن تشييع الجنائز وزيارة المرضى والمناسبات الاجتماعية الأخرى، إذا علمنا أنه كان يبدأ الكتابة فيها من السادسة فجراً إلى الثانية عشر ليلاً، فأي روح وأي صبر هذا!!
- وتلك اللمحات والمواقف الإنسانية انعكست على حياته الفكرية حينما قام بتطوير نظريات طريفة وغنية في نفس الوقت كمفهوم “الشاي غير البيولوجي” وهي كأس الشاي الذي لا يحتاجه مادياً ، ولكنه يشربه فقط للاستئناس مع صديق ما! أو مفهوم “الأبوة غير البيولوجية” وهي أن يقوم بتبني بعض الأيتام من ضحايا هذا العصر.
أو حتى مفهوم “ساعة الصفاء” أي قدرته على الإنسحاب خارج الزمان للحظات يستعيد فيها تكامله وإنسانيته، وقد فعلها مع زوجته وبعض أصدقائه في لمحة إنسانية مميزة.
- ومع الحب والزواج اكتشف الدكتور المسيري جوانب كثيرة مهمة، منها أن الزواج هو ميلاد من نوع جديد من الحب القادر على التعايش مع الزمان والتاريخ والمجتمع أي أنه يتسم بنوع من الاستمرار ، ومن هنا جاءت مفاهيم السكينة والمودة والألفة. وهذا عكس ما تروج له الأفلام والأغاني والقنوات ، أي مفهوم ” الحب اللازمني” الذي يتجه بشكل حاد نحو السعادة الفردية واللذة المطلقة، وهذا ما يؤدي إلى المشاكل الأسرية والتفكك والانحلال العائلي. وهكذا كان الحب الذي يؤمن به المسيري يحتوي إمكانات سلبية وإيجابية، وهو أن يقبل الواحد الآخر ويعرف أن محاسنه مرتبطة تمام الارتباط بمثالبه.
وعلى هذا الأساس طوّر المسيري مفهوم “إعادة الزواج من نفس الزوجة” أي أن يتم بناء العلاقة الزوجية من جديد على أساس وفي ظل تغير الأحداث والأزمان والظروف ، مما يجدد الحياة ويبعد السأم والملل والرتابة، ويزعم المسيري أنه تزوج من زوجته ثلاث مرات!
- أما مع المسيري والأطفال فنجد هنا عالماً آخراً يتجلى فيه ذلك الإنسان بكل تفاصيله، فهو يقول عن نفسه: “يمكن أن أذكر عن نفسي أن البراءة تسحرني، كل ما هو بريء يملك علي شغاف قلبي، وما زلت أعشق الوجوه البريئة خاصة التي بها مسحة حزن”. وللمسيري رحمه الله اهتمام خاص بأدب الأطفال وقصصهم بدأ معه منذ الطفولة بحبه لسماعها وتخيلها، ثم إلى علاقته بأطفاله والأطفال الآخرين المبنية على الحوار وقص الروايات وتخيل الشخصيات والألعاب، وانتهاءاً بكتابته ومساهمته في أدب الطفل إلى نال على نتاجه هذا جائزة تقديري من الدولة.
ويقول عن نفسه هنا: “أحب عالم الأطفال، أحب أن أدخله معهم ، فهو عالم مليء بالجمال والدهشة والبراءة، عالم يمكن أن يحقق فيه الإنسان إنسانيته ، ويمكن أن يحلق في سمائه ويسير على أرضه” ، “إن عالم الأطفال عالم جميل رائع، كم أحبه وأحب أن أدخله وأعيش فيه بكل جوارحي”.
وانعكس هذا الأمر فكرياً على الدكتور المسيري حيث أنه وبالرغم من أن تنشئته ودراسته ستدفعه إلى الكتابة في أدب الطفل، إلا أن نور وياسر طفلاه كانا الدافع الأكبر لذلك حيث ألف لهما القصص والألعاب المثيرة والمشوقة والشخصيات والأحاجي والألغاز مستغنياً عن منتجات الحداثة الغربية الاستهلاكية المدمرة كباربي والدب تيدي وبقية العرائس التي تنتزع الطفل من هويته انتزاعاً.
رحم الله المسيري الإنسان وأجزل له المثوبة والعطاء.
مواضيع متعلقة
الوسوم: الإنسانية, المسيري, الموسوعة, سيرة غير ذاتية













