![1_918626_1_34[1] 1_918626_1_34[1]](http://okbah.cc/ok/wp-content/uploads/2009/06/1-918626-1-341.jpg)
“إنه أوباما يا غبي!”
ألقى أوباما كلمته الموعودة والمنتظرة بشدة في العالم العربي والإسلامي وانفض السامر وقضي الأمر، وذهب كلُ إلى شانه، وبقي لنا نحن أصحاب الشأن أن نخرج من أسر اللحظة والهنيهة، وقيد العاطفة ، لنرى ما الذي يمكن أن نستفيد من خطاب كهذا ومن زيارة كهذه لرئيس يمثّل علامة فارقة في تاريخ أمريكا والعالم ، وما هي الدروس العائدة على واقعنا وعملنا ودولنا من هكذا رؤساء ومن هكذا خطابات وهكذا دول لم تتسيد العالم وتتربع على عرشه صدفة أو بضربة حظ.
عندما ترشح أوباما للرئاسة الأمريكية تفاءلت بمجيئه وتوقعته لأسباب كثيرة وموضوعية ، وعندما فاز بالمنصب كتبت مبشراً ومتفائلاً أيضاً بتغيير جذري يطال أمريكا وسياستها، ربما لن يأتي دفعة واحدة ولا في سنين قليلة ولا بعصا سحرية لكن سيلحظه كل متابع ومراقب للشأن الأمريكي والعالمي.
هنا مربط الفرس، فالمتوقع لهذا التغيير كما المتابع لخطاب الأمس التاريخي يجب أن يضع في ذهنه وفي خلفيته الفكرية أن هذا التغيير وهذا الخطاب له إطار محدد به ، وهذا التغيير وهذا الخطاب له محددات واقعية وتاريخية وسياسية واجتماعية يمكن أن نجملها بالتالي:
أن باراك أوباما مسيحي وليس مسلماً.
أن باراك أوباما أمريكي وليس عربي.
أن باراك أوباما رئيس الولايات الأمريكية المتحدة وليس خليفة العالم الإسلامي وأمير المؤمنين.
أن أمريكا هي الحليفة الأوثق والأقوى لإسرائيل ولم يتغير هذا.
أن أمريكا تبحث عن مصالحها وهذه هي السياسة التي لا مجال للعواطف العربية بها.
أن أمريكا والعالم يحترم القوي والقوي فقط.
أن أمريكا دولة مؤسسات ورئاسة أيضاً وبين الطرفين هناك توازن فلا أحد يلغي الآخر.
أنا باراك أوباما يسعى للفوز بولاية ثانية.
من هنا فمن لم يعجبه الخطاب بتاتاً فقد كان خارج هذه الأطر والمحددات وكان يتوقع (أو لا يتوقع) أن يعلن أوباما الحرب على إسرائيل أو على الأقل يشن هجوماً كلاميا عليها ويعلن تأييده وتضامنه لكل حقوق العرب والمسلمين!
نعرف (نحن الذين أعجبنا الخطاب) أنه لن يقول هذا ، وكنا نعرف أنه سيؤيد حق إسرائيل في الأمن والوجود وسيترحم على الملايين الستة من ضحايا المحرقة! إلخ من تأييد لإسرائيل وحق أمريكا في الدفاع عن نفسها وأمنها.
لكن غير المتوقع (أو المتوقع بالنسبة لي على الأقل) هو تلك اللهجة الجديدة المتصالحة والمتسامحة والتي لم تسمعها من قبل من رئيس أمريكي (كبوش المتغطرس الإنجيلي والذي يكفي أن تتأمل العهدين المتتاليين لتدرك التغيير الذي حدث في أمريكا) وهذا الاستشهاد بالإسلام والقرآن والدعوة إلى التعاون والهجوم على الاستيطان الإسرائيلي (الذي كان يؤيده بوش من قبل) والذي أثار حنق الإسرائيليين جداً، والاعتراف ضمنياً بحماس عندما قال أن بعضاً من الفلسطينيين يدعمونها، وقبل ذلك لم تكن توصم حماس إلا بالعصابة الإرهابية. والاعتراف بحقوق المسلمين وبالحجاب ودعوة الغرب إلى عدم إجبار المسلمين على التخلي عن حقوقهم وعاداتهم وزيّهم. إلخ
ما كان يهمني كمتابع وكعربي وكمسلم هو هذا الخطاب الرائع ولحظيته وإيجابياته الكثير مع عدم نسيان سلبياته بالطبع والتي هي متوقعة جداً ومع عدم نسيان الواقع الذي يمثل احتلال للعراق وأفغانستان ودعم لا محدود لإسرائيل، إلا أن لهجة وإيجابيات كهذه أجزم أنها ستدشن عهد جديد في العلاقة مع أمريكا يحسن بالمسئولين العرب والمسلمين استغلالها لصالحهم، فالعيب والضعف والخور الذي نعيشه ليس سببه أمريكا بل نحن، وكما يقال (العيب منّا وفينّا) و (إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم).
وكأني أرى أوباما يقول لنا بلهجة أخرى وبكلام مستتر ما بين السطور: (إن كنتم أيها العرب والمسلمون أقوياء ومتحدين وتعرفون مصالحكم فستقف أمريكا وسأقف معكم وسأناصر قضاياكم وإلا فلن استطيع أن أفعل أي شيء لكم).
ولعل هناك حقائق يجب ألا نغفل عنها، وأن لا نحمل أخطائنا ومشاكلنا لغيرنا:
فمن يحاصر غزة ويجوّع أهلها موتاً هو عباس وحسني مبارك
ومن يقتل المسلمين في وادي سوات هو زرداري.
ومن استعدى أمريكا ودفعها لاحتلالنا هي هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
والفساد المستشري في دولنا والسرقة هو من بني جلدتنا ومسئولينا.
والحريات تقمع في دولنا العربية والحجاب ينزع ويمنع في بعضها وليس في أمريكا.
ولعل أعقل وأبلغ من علّق لاحقاً على الخطاب هو الأستاذ إسماعيل هنية عندما قال: (إنه ذو لغة جيّدة ويؤسس لعلاقة جديدة بين الشرق والغرب، لكن المهم هو الأفعال لا الأقوال..).
نعم.. أدلى أوباما بخطابه هذا، فله أجر، وإن طبّقه وحوله إلى أفعال فله أجران.
أخيراً هذه بعض الفوائد التي ربما ان استخلصناها من هذا الخطاب واستفدنا منها فلعل حالنا يتغير إلى الأفضل ولعل خطاباتنا تنقلب إلى شيء جديد.
1- الإسترجال واللغة الفصيحة والخطابة المفوهة هي سمة القادة والرؤساء بحق، لا اللغة العامية والتأتأة والضعف البلاغي والنحوي والثقافي والمعرفي الذي يتميز به كل قادتنا.
2- احترام الآخر: استشهاد أوباما بالقرآن ونصوصه والإسلام وآثاره له رسالة يخبرنا بها أنه يعرف دين الذي يخاطبهم ويفهمهم جيداً وهذا له وقع أكبر أثرا على مسامع وعقول الجمهور، وهي سمة القائد والخطيب الذكي أيضاً.
3- المصالح الوطنية أولاً: بمحاولة تأسيس علاقة جديدة مع العالم العربي والإسلامي –ليس حباً بهم- ولكن تأميناً لمصالح أمريكا المهتزة في المنطقة والتي تعاني من مصاعب اقتصادية ولا ينقصها المزيد من المشاكل المؤثرة عليها زيادة عن الموجود وهو توجه ذكي، يضع مصالح بلده في الأولوية.
4- البحث عن القواسم المشتركة: كذكر تاريخ الإسلام المتسامح مع الآخر وحضارة الإسلام التي قدمت للبشرية كل النفع والخير وقادت إلى ما عليه الآن من تطور بشري كبير.
5- اختيار المكان المناسب: فبغض النظر عن النظام المصري الحاكم، فمصر والقاهرة وجامعتها تمثل تاريخاً عريقاً وغنياً في الحضارة العربية والإسلامية لا يمكن تجاوزه او نسيانه ، و مصر دولة كبرى وعربية وإسلامية لا يمكن تجاهلها أبداً وبرأيي أنها كانت المكان المناسب لخطابه.
6- السعي إلى الوحدة الإنسانية والبشرية: فتذكيره بما يخدم الإنسان في العالم أجمع وينتشله من براثن الحروب والفقر والتخلف والسعي إلى عالم خال من السلاح النووي والتأكيد على إقامة مشاريع تنموية في العديد من المناطق.
7- تذكر حقوق الأقليات والمستضعفين: فرغم جوانب سلبية في حديثه عن الفلسطينيين وإسرائيل إلا أنه لا يمكن أن ننسى ذكره لحماس كجزء من الشعب الفلسطيني، وأن وضع الفلسطينيين لم يعد يحتمل وأن لهم الحق في إقامة دولتهم، وأن الاستيطان يجب أن يتوقف، وكذلك التأكيد على حقوق الأقليات.
8- الاستعانة بمستشارين من مختلف المشارب في كتابة الخطاب: تذكرت أحد الزعماء العرب الراحلين الذي كان إذا أراد أن يتخذ قراراً أو يلقي خطاباً فإنه ينعزل لأيام في مكان مجهول ينتظر الإلهام والوحي ليتخذ قراراه أو يكتب خطابه! ما خاب من استشار، والسياسة التي لا تبنى على مؤسسات ومستشارين ومجالس معتبرة فهي فاشلة.
9- عدم التنكر للمصالح والتحالفات السابقة: فبغض النظر عن موقفنا منها، نراه أكد على تحالف أمريكا وإسرائيل القديم والوثيق وهو استخدام ذكي أتى مع إنتقاده الشديد لها بسبب الإستيطان وحل الدولتين وهما أمران متلازمان لا يستطيع أن يذكر أحدهما وينسى الآخر.
10- التوازن والإعتدال: وهو السمة الغالبة والمسيطرة على الخطاب ككل في محاولة لإرضاء الجميع ومد الخطوط وبناء الجسور مع كل عدو ومخالف ومستنكف.
مواضيع متعلقة
الوسوم: إسرائيل, القاهرة, خطاب أوباما, فلسطين, مصر









(4 صوت, معدل: 3.75 من 5)




