أرسل لي أحد الأصدقاء القدامى منذ أيام رسالة قصيرة لم أتلق من نوعها كثيراً خلال مسيرتي التدوينية القصيرة، يقول هذا الصديق العزيز في رسالته:
Subject: رفقا بالحياة
عزيزي عقبة
بالأمس كنت مع أحد المتابعين لمدونتك و لا أظنك التقيت به من قبل
شجعني كثيرا على الاطلاع على كتاباتك و أخبرني على ما حصدته من جوائز
اليوم تشجعت و تجولت بين كتاباتك
و جدت ما كنت أتوقعه من خطاب سوداوي متأزم يرغي و يزبد
خطاب به الكثير من الغضب و الحماس و القليل من العقل و التحليل
و لولا بعض متابعاتك التقنية و الفلسطينية لكنت وصفت كتاباتك بالظلامية
هذه و جهة نظر سأولي بعدها باحثا عن حياة أكثر أشراقا
ولعل الذي رسم ابتسامة عريضة على محياي هو تلك العبارة الأخيرة التي لا أرى ذلك الصديق معها إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغه!
رددت عليه في حينها برسالة مختصرة أرحب فيه بهذا التواصل بعد الإنقطاع الطويل مع توضيح خاص، إلا أنني أحببت أن تكون هذه الرسالة وهذا الرد نقداً للذات ودفاعاً عن التدوين بشكل عام ولكلٍ وجهة هو موليها ،ولا بأس أن نتعامل مع مخالفينا ومنتقدينا بشكل مفتوح أدعى للفائدة من نقاش محصور قد لا يجني منه الطرفان إلا الحصرم.
صديقي (العقلاني) لا يحب شيء اسمه (العاطفة) بتاتاً وهو منتقد دائما للعقل العربي والمسلم المثقل بأعباء وتقاليد وتراث الماضي المنغلق والمعتمد على عاطفته في تقييم الأمور واتخاذ الأفعال وتحديد القرارات. وربما معه حق فيما يقول إلا أن هذا ليس موضوع نقاشنا.
بداية صديقي العزيز مدونتي المتواضعة هذه لم تحصد أي جائزة بعد في عمرها القصير هذا وإنما ترشحت للمرحلة النهائية في مسابفة أفضل مدونة عربية لعام 2008 والتي تقيمها هيئة الإذاعة التلفزيون الإلمانية دويتشة فيلا (The BOBs) فأشكرك على حسن الظن.
صديقي العزيز، أنت تعرف أن حال الأمة حكومات وشعوب لا يسر الصديق ولا القريب ولا الأريب والمشاكل التي نغرق فيها إلى حد الثمالة لا تترك لذي عقل عقله وبالتأكيد تجعل الحليم حيرانا بفتنها وارهاصاتها وأحوالها السيئة، مع ذلك فإن هذا لا يقتضي أن ننظر بسوداوية تامة ونسيان الإنجازات الأخرى على قلتها وضآلتها، ولعلك ياصديقي ربما بما كونته سابقا من نظرة عني وبما سمعته مني في أيام خلت ، تصفحت هذه المدونة وأنت تحمل معك هذ التعليب الفكري الجاهز لتسقطه على الكتابات الموجودة هنا وكنت حقيقة أتمنى منك أن تكون أكثر تحديدا وسردا للمواضيع الظلامية والسوداوية وأخطاء الإرغاء والإزباد!
قبل أن أتعمق وأفصّل معك أكثر أود أن أن أنبهك أن الحديث عن المواضيع التقنية (بحكم عملي وتخصصي الأكاديمي) والذي هو حديث عقلي بحت لا يجتمع مع الحديث عن القضية الفلسطينية الأميل للعاطفي في كتاباتي هنا
الأمر الآخر أن العاطفة والحديث العاطفي ليس شراً محض ياسيدي فلولاها لكنا آلات صماء أو وحوش غبراء.. وهي والعقل صنوان لا يفترقان ويحتاج كلاهما للآخر. بل ربما تنجح أحيانا العاطفة وحيدةً في تحقيق مايعجز عنه العقل ، وكنت دائما أسوق مثالا على ذلك عندما بلغ الخليفة العباسي المعتصم بالله أن امراة نكراء لا يعرفها استغاثت به في مدينة (عمورية) الرومية بـ(وامعتصماه) لتحرش أحد الروم، فكان القرار العاطفي البحت الذي اتخذ بدون عقل ولا روية ولا استشارة بتجهيز الجيش وغزو عمورية والإستيلاء عليها!
لقد كان قراراً غير عقلاني البتة مع ذلك كان لا بد منه وسجل به المعتصم اسمه في سجل الخالدين برغم مشاكله وأخطائه.
ونحن ياسيدي بشر لنا عاطفة وعقل نسير في كلا الخطين بحسب ماتفرضه الوقائع والأحداث، فعندما تنتهك الحرمات ويحاصر المساكين ويجوعوا.. لا مكان لعقلي.. إنما لعاطفتي في حدود ما استطيع وهكذا فعلت مع غزة وفلسطين وعدد من المواضيع الأخرى كـ (لدي حلم ياسورية)
وكان للعقل بطبيعة الحال حضوره عبر التحليل والإستقراء وإذا استثنينا التدوينات التقنية والعلمية والمقالات الرسمية التي كتبتها في غابر.. فإن عقلي وتحليلي حضر في (سورية الإصلاح والإعتدال وإلا الطوفان) ، (الأزمة الإقتصادية وأزمتنا العقلية) ، (إنتصار أكتوبر المزعوم) ، (الإسلاميون من مصر إلى العراق: تحولات وتبدلات) ، (نموذج الأنماط الثلاثة في مقاومة الإحتلال) والذي طبقت فيه النماذج المركبة والإداركية والتحليلية للدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله في الوصول إلى نموذج عام لظاهرة تطبيقية وحاضرة بيننا. وغيرها من التدوينات التي لا أدري كيف غابت عنك خلال تصفحك للمدونة الذي كان فيما يبدو سريعا جداً!
فأنا كما ترى أدوّن أحيانا بعاطفتي وتارة بعقلي وأخرى بهما معاً وأنا من خلال هذه المدونة أعكس أفكاري واهتماماتي وآرائي التي قد تتغير وتتبدل طبعا للتطور الفكري الذي أسير فيه والذي لا ينفك عنه أحد من البشر كما قلت قبل ذلك في افتتاحي لهذه المدونة مبينا عن أهدافي منها.
أتمنى يا صديقي العزيز أن لا تجعل لردة الفعل العنيفة على ذلك الماضي الذي عشناه سوياً والذي تعتبره صاحب عقلية متخلفة وظلامية وعاطفية، أن يحكمك وأن تجعلك ردة الفعل تلك متطرفاً في الجهة الأخرى.. الجهة العقلانية.






أخي عقبة، ما بدا تنين يحكو فيها. الإنقاد الذي وُجه لك يفتقر لكثير من الجديّة و الدقة، و أظنه -من الآخر- رأي طائش لا يستأهل أن توليه إنتباهك. أشك في كون صديقك قد إطلع على مدونتك أصلا!
هذا مدح واضح خال من التملّق يا صديقي. كلا أنت تعلم جيدا أن لساني “زفر” و إذا أردت أن أذمك لفعلت ذلك علنا من دون “لف و دوران”
الأخ عقبة ،
بدون ان اعرف اي تفاصيل اخرى عن تلك الرسالة التي وصلتك ، الا انني اسجل إعجابي بردك العلمي والعقلي ، وقد اتفق معك ان الكثيرين يحملون افكار (معلبة) وجاهزة ثم يبحثون عما يصادقها وبالتالي يصدون الحكم كمن وجد ( قرينة) على اتهامه ،
كذلك ذكرت استخدامك للنماذج التي شرحها المرحوم الدكتور عبدالوهاب المسيري ، وهذا في حد ذاته يقوي موقف العقلي اكثر وأكثر وأكثر
بالتوفيق
عزيزي عوني..
وأنا أرحب بأي انتقاد من أي كان ومهما كان شكله إذ في النهاية لا بد أن تر فيه فائدة ولو بنسبة ضئيلة.. من المهم حقا أن تكون صدورنا رحبة وأن نشيع ثقافة تقبل الآخر.. وأنا جاهز لذمك الجميل
دكتور أنور.. تشرفت بزيارتك اللطيفة.. نماذج الدكتور المسيري تعد ثورة في عالم الفكر والتحليل المنطقي، لكن للأسف لم أجد حتى الآن من يهتم وينشر ثقافة الدكتور وانتاجه الغزير.. ما رأيك أن تتصدى لها؟ شكر لمرورك مرة أخرى