
لا زلت أذكر ذلك اليوم المشمس في عام 2004 عندما خرجت في صباحه من دار الطلبة اليمنيين في العاصمة السودانية بعد ليلة استذكار للإمتحانات الجامعية النهائية مع الأخ العزيز عبد الفتاح، توجهت من فوري إلى منزلي لأخذ قسط من الراحة وبعد وصولي فتحت كعادتي على قناة الجزيرة لأرى آخر الأخبار والأحداث، ومضى الشريط الإخباري يمر حتى فوجئت في نهايته بخبر صاعق وصدمة مؤلمة عندما نعت الجزيرة الزميل ماهر عبد الله إثر حادث مروري أليم!

رحل ماهر عبد الله عن عالمنا منذ أربع أعوام ، وهاهي ذكراه تمر بعد أن ترك أثرا طيبا جاوز مجتمعه وصحبه وزملائه إلى كل من رأه على الشاشة الفضية مبتسما ومحاورا مثقفا بإمتياز ومهنيا محترفا استطاع كسب القلوب قبل العقول واحترمه حتى خصومه ومخالفيه لدرجة أن تمنى البعض أن يون كل الإسلاميين مثله، ممن اعتبره إسلاميا بالطبع، إلا وأنه بعيدا عن هذه المصطلحات والتقسيمات الشائكة لم نرى ماهر عبد الله رحمه الله إلا كبيرا عن أي تصنيف وتقسيم وذلك بعقله الكبير وثقافته الشاملة والتي قيل فيها الكثير عن حبه وإدمانه للقراءة والمطالعة والإهتمام بالشؤون الدولية والعربية كيف لا وهو الفلسطيني الخارج من ذلك الجرح يحمل قضيته وهم أمته على عاتقه ولم ينس ذلك حتى وهو المهندس الذي أنساه حمل القضية كل دراسته ليعمل في مجال أحبه وليصبح مذيعا متألقا ومراسلا محترفا وكاتبا أديبا معطاءا يكتب بقلبه وبمداد روحه.

في خضم دراسته الجامعية في بريطانيا كان ماهر يشارك في حلقات تلفزيونية يشرح فيها قضيته وحقوق بلاده المغتصبة، ثم ليغطي بعد ذلك حروب البلقان في تسعينات القرن المنصرم، ثلم لينتقل لإعداد برامج حوارية على قنوات تلفزيون الشرق الأوسط، لينتقل بعد ذلك إلى قناة الجزيرة التي تميز فيها وعلا صيته من خلال برنامج “الشريعة والحياة” مع الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي-حفظه الله- والذي تأثر جدا برحيله ولم يسد أحد ممن تعاقبوا على البرنامج مكانه حتى الآن.
وعرفته الجزيرة أيضا مديرا لعلاقاتها الدولية ومنظما لمؤتمراتها كما أنه كان منسقا للمؤتمر القومي الإسلامي ومن فرط ثقافة الأخ ماهر رحمه الله أن كان يستدعى أحيانا للترجمة الفورية على الشاشة عند الطوارئ، وذاع صيته عندما نقل للعالم سقوط بغداد بدخول الدبابات الأمريكية لعاصمة الرشيد واسقاط التمثال الشهير لصدام حسين.

كان ماهر عبد الله على موعد مؤجل مع الموت حينما نجى من القصف الذي استهدا قناة الجزيرة في بغداد والذي ذهب ضحيته الزميل طارق أيوب رحمه الله، وبقيت تلك الذكرى الأليمة في نفسه.
ومن ثقافة ماهر عبد الله وأدبه ترك لنا مجموعة من القصائد الجميلة وربما ديوانا مخطوطا كان ثمرة لقراءاته ولتذوقه الأدبي، ومن تلك القصائد قصيدتين رثى بهما الجنرال المجاهد الشهيد عماد عقل والشهيد المهندس يحي عياش رحمهم الله جميعا،
يقول في مطلع القصيدة الأولى:
يقولون مات،
ومثلك لا يحسن الموت إلا
إذا اختار لحظته الفاصلة
وفوق المدى،
كانت الشمس ترقب أقمار عينيك حتى تعود ..
تحنّي ابتسامتها بابتسامتك الناحلة
يقولون غاب، ومن كان مثلك
كيف يطيق الغياب؟
وكفاك ما زالتا تمسكان بخصر المدى..
ترفعان السنابل كي تنحني
فوق أحلامنا الذابلة .
يقولون مات،
وأنفاس عطرك في بسمة الزعفران أراها..وفي شهقة الياسمين المروّى بحزن الخليل.
ودقات قلبك، ألمحها في النخيل..
ويقول في مطلع القصيدة الثانية:
لأجمل وردة فينا
لأجمل غصن زيتون
يرف على روابينا
ليحيى سيد الأحباب
عادت أرضنا بكرًا
ليملأها رياحينا
لأنك لم تجدْ منفى
يواري سوءة الباقين في المنفى
لأنَّ زفافك الوردي
يأتي قبل موعده..
ليمسح دمعنا حينا
وينكأ جرحنا حينا
ستبقى عينك السمراء
وَحْيًا في مآقينا
وتبقى خيلك البيضاء
ميلادًا لحاضرنا
وأشعارًا لماضينا

وفي مثل هذه الأيام منذ أربعة أعوام كان ماهر عبد الله على موعد مع الرحيل المبكر بعد أن شغلنا وملأنا إثر حادث أليم في العاصمة القطرية الدوحة وقد كان برفقته الدكتور بشير نافع بعد أن أصبح بديلا للشيخ راشد الغنوشي، وقيل الكثير من غير الموثوق عن جهة خارجية كانت تستهدف راشد الغنوشي فكان الضحية ماهر عبد الله.
رحمه الله وغفر له ورفع مقامه في عليين.
مواضيع متعلقة
الوسوم: الجزيرة, الشريعة والحياة, طارق أيوب, عماد عقل, قصائد, ماهر عبد الله, يحيى عياش




(5 صوت, معدل: 4.60 من 5)
رحمه الله رحمة واسعة
أجدت في الحديث عن الراحل، رحمه الله و أسكنه فسيح جناته.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اخي عقبة .. ها نحن نتابعك في متابعاتك .. الرائعة جدا !!
ماهر العبدالله .. شخصية أذكر تألقها ولكني لا اذكر ماهية لانني كنت انذاك لا اهتم إلا لشؤون نفسي ..
وها انا اقرا عنه وله بعد رحيله .
بارك الله فيك
والسلام
غفر الله له و أسكنه فسيح جناته لن و لم أنسى يوم وفاته و صدمتي
حينما نقلت لي أمي خبر وفاته عرفناه حينما بكى على وفاة صديقة طارق أيوب
و أتذكر دموع زوجته و وجه طفلته الرضيعه حينما عملوا لقاء معهما
شكراً لتذكيرنا به
رحمه الله و رفع درجته..
بالفعل رحل..ولم يسد احد مكانه..
ولاول مرة اعرف بانه هو كاتب تلك الابيات الرقيقة..
اشكرك ..
مع اطيب الامنيات