أيام عصيبة لا زال فلسطينيو الشتات في لبنان يعيشونها بعد إقحامهم في مواجهات دامية وأليمة بين الجيش اللبناني وجماعة (فتح الإسلام) المنشقة حديثاً عن (فتح الإنتفاضة) ، مواجهة أوقعت عشرات الضحايا الأبرياء وشردت المشردين وكأن الفلسطيني تتجمع عليه النكبات أينما حل وارتحل! وفي وقت تتضارب فيه المعلومات حول حقيقة هذه الجماعة الجديدة على ساحة فلسطيني الشتات، وحول بداية هذه المواجهات والإتهامات المتبادلة بين الطرفين بمن ابتدأ الآخر بالقتل، وحول من يقف ورائها و (الطرف الثالث) الذي بات حديث الألسنة بعد تململ الفلسطينيين من تواصل القصف العنيف على المخيم و تجاذبات الموالاة والمعارضة في لبنان، ورغم أن أغلبية المحللين اتجهوا إلى الفصل بين الخلفية الفكرية لـ (فتح الإسلام) ومن يقف خلفها ملمحين إلى دور سوري لا تخطئه العين، على الرغم من ذلك الفصل إلا أن تتبع الأحداث منذ إرهاصاتها الأولى يقودنا إلى ارتباط شديد بين الايدولوجيا و (الطرف الثالث) الذي يشير بقوة إلى سورية اعتماداً على ما قاد إلى ذلك بكل هدوء وتدرج.
1- ظهر منذ سنوات داخل سورية نوع من الحركة السلفية الجهادية أتيح لها نوع من الحرية الغريبة في أجواء النظام السوري، ولبست هذه الحركة لبوس تحرير الأقصى وتزعمها شخص يُدعى (محمود قولا أغاسي) قام بجولة في عدد من الدول العربية لجمع الأموال لحركته، وقد كان هذا الشخص يجول ويصول في سورية وعلى منابر جوامعها ينادي بالجهاد وإراقة الدماء وتحرير الأوطان! وجاءت حرب العراق ليلعب هذا الشخص دوراً في إرسال المقاتلين الشباب إلى هناك وتمويل إرسالهم، وبعد تسليط أضواء كثيرة على هذا الشخص هدأت حركته وبات يعمل في الخفاء بدعم من النظام السوري وقيل إنه نقل بقية عناصره إلى لبنان بعد انسحاب سوري مفاجئ وظاهري لكي يكمل الدور الذي عجز عنه النظام هناك بعد اغتيال الحريري.
2- (أبو خالد العملة) زعيم (فتح الانتفاضة) يُعتقل فجأة قبل عدة أشهر في سورية وتفصله حركته عن زعامتها ويدور جدل طويل بين مكاتب الحركة في دمشق وعمان حول ما جرى له ولا يزال مصيره غامضاً!
3- شاكر العبسي المنشق الذي أسس (فتح الإسلام) وظهر مراراً ببياناته ومقابلاته، كان معتقلاً في السجون السورية بعد أن طلب الأردن تسلمه إثر مقتل الدبلوماسي الأمريكي (لورنس فولي)، ليُطلق سراحه بعد ذلك في سجون اعتادت على الاحتفاظ بالسجين سنوات طويلة بقضايا أقل أهمية! ثم ينتقل بكل حرية إلى لبنان ليقعّد لجماعته الجديدة ولأنصاره ويأتي بكمية هائلة من السلاح لا تتوفر لغيره بل ويهدد بإشعال براكين في لبنان مكرراً قول الرئيس السوري رداً على محاولات إقرار المحكمة الدولية لقتلة الحريري.
4- من الغريب أن يُطلق سراح (شاكر العبسي) بهذه السهولة في وقت عاشت فيه سورية موجة من العمليات المسلحة التي يدّعي النظام السوري أنها لجماعات إرهابية فيما لم يظهر للإعلام يوماً ما أسماء هؤلاء أو هوياتهم أو معتقلين مرتبطين بهم، والغريب هو تحذير النظام من انتقال هذا الخطر إلى دول مجاورة، وكأنه يقول الآن قد وقع ما حذرنا منه!
5- تهريب أسلحة متواصل ضبط بعضه لوم يضبط الكثير عبر الحدود مع سورية وشيء منه اعترف بملكيته حزب الله ولكن شحنات عديدة بقيت مجهولة المصدر!
كل ذلك يقودنا إلى نتيجة مفاداها أن النظام السوري صنع على عينيه مجموعات مغرر بهم استخدمهم في حرب العراق وأرسل بهم إلى محرقة هناك ذهب فيها خيرة الشباب السوري، ثم لما زادت التهديدات الأمريكية بشان تسرب هؤلاء إلى العراق، قامت سورية بتحويلهم إلى لبنان لإعادة صنع دور فقدته رغماً عنها وفي ظل تهديدات جدية بمحكمة دولية قريبة جدا تحت البند السابع ربما ستدين بعض أفراد نظامها بقتل الحريري. وإذا علمنا وقوع هذه الأحداث في الشمال أدركنا سبب ما يحدث للآتي:
1- قرب الشمال اللبناني من سورية وارتباطه بها من قديم.
2- هدوء حزب الله وانتشار قوات دولية في الجنوب عطّل ورقتها هناك لبعض الشيء.
3- فشل الإعتصامات التي تقودها المعارضة اللبنانية لإسقاط الحكومة وقرب إقرار المحكمة الدولية بالإضافة إلى قرب رحيل آخر الحلفاء السوريين الرئيس إميل لحود.
إلا أن السحر قد ينقلب على الساحر وربما تؤدي تلك الأحداث الدامية إلى ازدياد المعارضة اللبنانية لسورية وتدهور أكثر في العلاقات وربما يُستغل هذا الأمر في جعل لبنان ساحة عمل للمعارضة السورية بمباركة أهله انتقاماً مما حدث وفي النهاية ربما ستعجل هذه الأحداث في إقامة المحكمة أكثر مما يتصوره السوريون.
مواضيع متعلقة
الوسوم: العبسي, الفلسطينيين, المخيمات, بشار الأسد, سورية, لبنان, نهر البارد















