
يعتبر الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا من أشهر فلاسفة القرن العشرين حيث برز كمنشأ لمذهب جديد في علم الفلسفة دُعي بالتفكيكية وإن كان دريدا يرفض اعتبارها مذهب أو منهج بل عملية حركية استراتيجية في تحليل النص والنظر إليه.
لكن البعض يعود بالتفكيكية إلى الفيلسوف ميشيل فوكو الأشهر حينذاك في منتصف القرن العشرين بإعتباره أول من قعّد ومهد لها حينما وصف إنتاجه واتجاهه بما بعد الحداثة أو مابعد البنيوية، لتأتي التفكيكية كنقيض تام للبنيوية (التفكيكية بإختصار تنحو إلى أنه لا يمكن أن نفهم نصاً ما فهما كاملا أو متماسكا مهما كانت درجة الفهم والقراءة هذه).

لا يهمني هنا الدخول في سيرة حياة دريدا وأعماله وفلسفته الجديدة في حينها.. لكن المقصد عندي هنا هو إلقاء الضوء على إحدى القضايا التي يمكن اعتبارها (فلسفية) تجاوزا حيث شغلت الكثير من المفكرين والعقول طويلا وماتوا قبل أن يقوموا ببلورة مفهوم كامل أو مقنع بالنسبة إليهم عن الموت. كيف كان ينظر جاك دريدا إلى الموت بإعتباره خاتمة حياة أو مرحلة إنتقال أو نهاية أبدية أو تناسخ أرواح أو أو أو.. بفهم كل مذهب ودين لما يعتقد بهذه الحقيقة الأزلية.

ماهو موقع الموت في فلسفة دريدا وكيف كان هاجسه الأخير قبل موته وهل حققت فلسفته يوتوبيا كان يحلم بها بإعتبار الفلسفة جنة العقول؟
يقول جاك دريدا في مقال نشر عنه بعد وفاته وذلك في جريدة الحياة اللندنية:
“كل كتاباتي عن الموت، فإذا لم أصل إلى المكان الذي أستطيع فيه أن أتصالح مع الموت سأكون قد فشلت، وإذا كان لي هدف واحد، فهو أن أتقبل الموت والإحتضار”.

وفي موضع آخر ينقل عنه كيف يصور الهاجس الملح لديه بشأن الموت وكيف ستكون نهايته وماذا سيقول الناس عنه بعد رحيله:
“إني أعي في كل لحظة إحتمال أن أسقط ميتا في الساعة المقبلة وأن الشخص الذي يجلس إلى جانبي سيقول: لقد كنت معه في الغرفة منذ لحظة، وهو الآن ميت. هذا الفيلم يتراءى لي بصورة دائمة وفي كل مرة أقود فيها سيارتي عائداً إلى البيت، وهي مرة كل يوم، أشاهد سيارتي تتعرض لحادث كما لو كنت في سينما، وأسمعهم يقولون : لقد عبر مفترق الطرق الآن، نعم، لا أملك أن أتجنب مشاهدته، إنه شيء في داخلي أحاول أن أفهمه ولكنني لا أفهمه”
ترى هل فهمه الآن بعد أربع سنوات على رحيله؟!
ولا يمل دريدا عن المزيد في آخر حوار له:
لقد كشف دريدا عن ذلك في آخر حوار معه في اغسطس (آب) الماضي، حين كان على بيّنة من موته القريب، قائلا:« هل يمكن أن نتعلّم كيف نحيى؟ أن نعلّمه ؟. أنا لم أتعلّم أبدا كيف أحيى. إذْ أنّ تعلّم الحياة يعني تعلم الموت، أن نأخذه في الحسبان، أن نقبل به (من دون خلاص ولا بعث ولا غفران). منذ أفلاطون، هو الأمر الفلسفي نفسه: أن نتفلسف، هو أن نتعلم الموت. لكنّني لم أتعلم أن أقبله، الموت. نحن كلنا ناجون مع تأجيل التنفيذ».
إنّ الفيلسوف يكتب دوما عن الموتى، ونصوص الموتى شكل لطيف من الحياة المستحيلة. وهو دوما الناجي الوحيد أو الأخير من جيل من الذين ذهبوا. ولذلك فحين يموت هو يفرض علينا ضربا من نهاية العالم. لذلك كان دريدا يحرص على تسجيل موت كل عضو من ذلك الجيل العظيم الذي انتمى إليه لبعض الوقت. لقد كتب عن موت أصدقائه الذين سبقوه: عن بلانشو ورولان بارط وألتوسير وفوكو وليوتار ودولوز وليفناس، وكان آخرهم بيار بورديو. وهو يعبّر عن هذه العلاقة المخصوصة بالفلاسفة الذين ماتوا بعبارة مثيرة، ألا وهي « إنّها فريدة في كل مرة، نهاية العالم». وهو قد عثر على هذه الصيغة عندما كان يحاول أن يبرّر موت أمّه بقراءة أحد أقوال القديس توما الإكويني، بأنّ في كل موت هناك نهاية للعالم، وأنّ كل موت هو أوّل، وفريد وأنّ موت الذين نحبّهم مهما سبقته موتات أخرى يظل بالنسبة لنا موتا أوّل. لكنّ دريدا لا يريد أن يتبع القديس في النظر إلى ما وراء الموت، إنّه يضيف فقط :«أنا أبكي مثلما يبكي أطفالي على حافة قبري». إنّ الموت عنده حالة خاصة وفريدة ولذلك لا ينبغي أن نشوّهها بأيّ نوع من الخلاص، بل نترك لها كلّ ثراء الحداد الذي ترسله فينا.
»الأمر المؤكّد- هو حقيقة ان ما سيقرؤه الناس هو انني أقاوم الموت بصعوبة أو أنني قد متّ بالفعل«. فهمنا الأمر على انه استفزاز. فلا أحد من حوله كان يصدّق ذلك.
مات دريدا بعد معاناة قصيرة مع سرطان البنكرياس في عام 2004م ومن قبله بعشرين عاما مات ميشيل فوكو بعد جولات عنيفة من الشذوذ الجنسي في سان فرانسيسكو عندما طبق ما كتبه عن الجنسانية والجنس.
فهل بعد كل هذا التاريخ الطويل للفلسفة والفلاسفة.. هل تراهم فهموا الموت وتصالحوا معه أم أن الوقت لا يزال مبكرا؟!
للمزيد عن جاك دريدا وفلسفته:
http://a.amaaz.free.fr/portail/index.php?option=com_content&task=view&id=945&Itemid=0
http://www.youtube.com/watch?v=qoKnzsiR6Ss
مواضيع أخرى
الوسوم: البنيوية, التفكيكية, الموت, جاك دريدا, فلسفة, ما بعد الحداثة, ميشيل فوكو








(4 صوت, معدل: 4.00 من 5)





