
حتى وقت قريب إلى مابعد وفاة الملك المغربي الحسن الثاني لم يعرف الكثير أن المغرب خلال عقود مضت كان ساحة مؤلمة لإنتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان وقمع وإهانة وإذلال للإنسان وكرامته، وسجون مخيفة ومرعبة كانت شاهدة على مآسي وعذابات ما كنّا لنعرفها لولا عدة إسهامات وكتب وشهادات كشفت جانباً منها ، ولعل أبرزها هو ذكريات (السجينة) لمليكة أوفقير الابنة البكر للجنرال محمد أوفقير الأشهر حينذاك في المغرب بعد الملك وساعده الأيمن والذي قضى إعداما أو إنتحاراً بعد محاولة فاشلة لإنقلاب عسكري على الملكية في سبعينات القرن المنصرم تلى ذلك عشرين عاماً من عذابات السجن لعائلة الجنرال وأطفاله.
هل تريد أن ترى حياة إنسان بأطوارها الغريبة والمتنافرة من ترف ونعيم باذخ إلى سجن وعذاب وشظف إلى تشريد وحصار ومنفى؟

هل تريد أن ترى جانباً من حياة أسطورية وباذخة كما تجلت في قصور الملوك وترفهم الذي لا يمكن تصوره أ كما سمعت وقرأت عنه في قصص الأولين؟

هل تريد أن تقرأ قصة انتقام الرجال من النساء والأطفال؟ أم أنك تريد سماع قصة امرأة حديدية صبرت عشرين عاما في سجون بشعة وعذابات لا تصدق ولوحقت خمس سنوات أخرى ثم خرجت من وطنها لتروي قصتها وتفضح جلادها؟
هل تعلم أن هذا لم يحدث فقط في المغرب بل تكرر كثيرا – إن لم تسمع – في تونس وليبيا ومصر وسورية والعراق وغيرهم ولهؤلاء قصص وشهادات أيضا!

مليكة أوفقير امرأة غلبت الرجال بصبرها وقوتها ومقاومتها التي لا حدود لها وأعطت درسا لكل ظالم ولكل مظلوم في آن واحد بصبرها وتفانيها وحرصها على أهلها وعائلتها.

القصة تسير بنا من تلك الطفولة المترفة لمليكة ابنة الجنرال القوي في الدولة المغربية ويوميات احتكاكها وترددها على القصر الملكي والملك محمد الخامس حيث تبناها هذا الأخير جريا على عادة متبعة هناك ولم يكن لأهلها حق الرفض طبعا ومن ثم إقامتها مع ابنة الملك (اللا مينا ) في قصر خاص به كل أنواع الترف والنعيم من حدائق وألعاب وغرف ومآكل وهدايا من جميع رؤساء الدول الصديقة، ربما يضحكك أن إحداها فيل من الزعيم الهندي (نهرو) أو سنجاب خاص من إحدى رحلات الصيد في إيطاليا أو سيارة أطفال مجهزة خصيصا من والت ديزني على أشهر الشخصيات الكرتونية لتلك الشركة وما إلى ذلك ولن ننسى طبعا النظام التعليمي الخاص لهاتين البنتين بواسطة مربية فرنسية خاصة وصارمة. ولا تنسى مليكة أن تصف بدقة جميع أحداث القصر ودسائسه واحتفالاته وأحزانه ومؤامراته وخدمه وحشمه وعاداته، فما تميزت به بحق هنا هو دقة الوصف وغزارة المعلومات التي تكشف عوالم خيالية ربما لن يفكر بها من لم يراها من قبل.

احدى عشر سنة في نعيم القصور قبل أن تتخلى مليكة عن القصر وتعود لبيت أهلها رغبة منها بعد أن طلبت ذلك من الملك الحسن الثاني الذي استمر على نهج والده في تبنيها ومعاملتها الفارهة. وتلك مرحلة أخرى لم تقصر مليكة في الحديث عنها وعن بيت ذلك الجنرال القوي في الدولة المغربية وعلاقاته ومشاكله وعادات أهلها وإخوتها وكذلك رحلاتها العالمية إلى فرنسا وامريكا واحتكاكها بكبار النجوم والشخصيات في العالم.

أما عند الحديث عن إنقلاب الصخيرات الفاشل ومن ثم ما تلاها من محاولة اسقاط طائرة الملك فنجد أن مليكة هنا مرت سريعا ولم تعط رأيا سياسيا ولم تفصل كثيرا كعادتها في هذه القصة عن الأحداث السياسية وإنما اكتفت بالإشارة وبما يأتي في سياق الحديث الشخصي والمعاناة الإنسانية، كما أنه لم تؤكد أو تنفي مسؤولية والدها عن هذه الأحداث.

لتبدأ بعد ذلك المعاناة المريرة بالتضييق ومن ثم الترحيل مع أهلها والسجن بداية في واحة آسا ومن ثم تامتاغت بقلعته المهجورة ومن ثم بير جديد لمدة عشر السنوات حيث كانت المعاناة الحقيقية وقصة الهروب الكبير وكذلك قصة ليلة السكاكين الطويلة حيث محاولة الإنتحار الجماعي لتلك العائلة!

إن في قصة الفرار وحدها من السجن مع ثلاثة من إخوتها وكيف أحكموا هذه الخطة وتجاوزوا مصاعبها وتحايلوا لمدة أربعة أيام على كل السلطات الأمنية وتنقلوا من الدار البيضاء إلى الرباط إلى طنجة في حركة لفتت الرأي العام إليهم وأبرزت معاناتهم وساهمت في نقلهم إلى الإقامة الجبرية ومن ثم إطلاق سراحهم، كان هذا الفرار الشجاع أعجوبة لم أتذكر من خلاله إلا قصة فرار عبد الرحمن الداخل من العباسيين إلى الأندلس وإقامته لدولة جديدة هناك.

وقس على ذلك المعاناة المريرة من خلال عذابات السجن والإنتهاك الفظيع الذي جاوز حدود كل شرعة وأخلاق وضمير في هذا العالم، ومن ثم أيضا تنكر الناس لهذه العائلة بعد أن كان بيتهم زلفى للمنافقين والمتقربين والطامعين.
تلك القصة التي ربما رأى فيها البعض شيئا من خيال ومبالغة لأمر ما مقصود، إلا أنني أستبعد ذلك فما حدث من مآسي السجون في عالمنا العربي ومن قرأ عن انتهاكات مماثلة في دول أخرى ومن شهد عليها أيضا يجد أن مايقرأه في قصة السجينة معقول جدا فهناك ما هو أفظع منها في دول أخرى معروفة، إلا أن المأساة المضاعفة هنا هو أن هذا السجن وهذا العذاب كان انتقاما من أطفال صغار ونساء بذنب لم يقترفوه وجريمة لم يعرفوا عنها شيئاً.

ثم إن من مر بهذه المأسي وهذه العذابات لا أظنه يقوى بعد ذلك على الكذب والخيال والتأليف خصوصا أن رواية هذه القصة جائت بعد تردد طويل وإلحاح من الكاتبة على صاحبتها لإتمام هذا العمل التوثيقي المهم لتلك الحقبة الفظيعة في تاريخ المغرب.

الكتاب من إصدار ونشر دار الجديد في بيروت وهو من رواية مليكة أوفقير وكتابة وصياغة الصحافية ميشيل فوتسي وترجمة غادة موسى الحسيني من الفرنسية.
قراءة ممتعة.
===
بمناسبة أدب السجون ومواضيعه لا انسى أن أشير إلى ذكرى مجرزة تدمر في سورية والتي استشهد فيها حوالي ألف شخص سجين أعزل بعد أن اقتحمت عليهم قوات سرايا الدفاع بقيادة رفعت أسد هذا السجن الصحراوي وأعدمتهم بدم بارد..
في هذا الرابط تجد جميع المعلومات المكملة وعدد من الكتب والقصص التي تروي لك جانبا من فظائع السجون في عالمنا العربي
http://www.almarfaa.net/?p=178
مواضيع متعلقة
الوسوم: أدب السجون, الجنرال أوفقير, المغرب, الملك الحسن الثاني, كتب, مليكة أوفقير









(15 صوت, معدل: 3.73 من 5)




