
لا تزال الذاكرة تحتفظ شيئا من ذكريات الصبا والطفولة في مجالات عديدة خصوصا مايتعلق بالقراءة والإطلاع حيث كانت تلك حجر الأساس والقاعدة الصلبة التي بنى عليها (المتابع) ثقافته وفكره واتجاهه بعد سنوات عديدة.
فهو لا يزال يتذكر كيف كان يستلق أكوام (صناديق) الكتب والمجلات الفائضة التي تنتظر رفوفا وخزائن لكي تشغرها ليشبع فضوله بإكتشاف عالم جديد بعد أن مل عالمه القديم المرتبط بمجلة (باسم) وغيرها من مجلات الأطفال.

حين نفض الغبار عن أعلى قمة في تلك الأكوام والأرتال اكتشف حينها أربع مجلات شغلته ردحا طويلا من الزمن وتابعها حتى انطوت في زمن النسيان وتغيرت الحال وتنقلت الإهتمامات والأفكار.. ورغم ذلك مازالت تلك المجلات الأربع تشغل حيزا من حنين الذاكرة والوجدان يعود إليها كل ماستطاع ويتتبع أخبارها وإصدارتها.
دعونا من حديث العواطف المملة ولنتكلم بلغة رصينة.

أربع مجلات أستطيع أن أقول أنها أضافت الشيء الكثير إلى مسيرة الثقافة العربية وحركت الكثير من الماء الراكد في العقول وفي المحيط الثقافي العربي ولازالت رغم تراجع مستوى بعضها من ابرز معالم الإنتاج الثقافي العربي في القرن العشرين.
1- المجلة الأولى والتي أحببتها كثيرا وقرأت الكثير من اعدادها القديمة جدا والقديمة هي مجلة الفيصل السعودية الصادرة عن دار الفيصل الثقافية ثم مؤسسة الملك فيصل الخيرية وأول عدد صدر كان في عام 1977 وهي مستمرة حى الآن إلا أنه بإعتقادي أن الفترة الذهبية لها امتدت لبداية التسعينات حيث خفت وهجها بعد ذلك وانخفض مستواها بعد بروز العديد من المجلات الأخرى وبداية ثورة المعلومات الشبكية.

تتميز المجلة بمواضيعها التراثية والفكرية والتاريخية والثقافية والجغرافية كما كانت بها أبواب ثابتة مفيدة كالصور النادرة ودائرة المعارف وجديد الكتب وغيرها من الأبواب حيث كانت تجمع نخبة من المثقفين والكُتّاب العرب.. بإختصار كانت المجلة مرجعا لا غنى عنها لباحثي الثقافة والتراث.
وتقول المجلة في لائحة أهدافها التي صدرت من أجل تحقيقها:
* الإسهام في الحفاظ على التراث العربي والإسلامي، وتعريف الأجيال الصاعدة بمكنون هذا التراث غرسًا لقيم الأصالة، وإنصافًا لمن أسهم من علماء الأمة ومفكريها في إغناء التراث الإنساني، وتأكيدًا للهوية المتميزة للأمة.
* تحقيق التواصل الفكري بين أبناء الأمة العربية والإسلامية، وترسيخ الثوابت التي تجمع بينهم، واستنهاض الهمم بما يعمق روح التحدي لمواجهة التيارات الفكرية والثقافية التي تستهدف ثوابت الأمة وقيمها.
* العمل على نشر الثقافة العربية والإسلامية، وتحقيق التواصل مع النتاج الثقافي والفكري والإنساني المتجدد في المجتمعات التي تفتقد وسائل اكتساب المعرفة، حتى غدت «الفيصل» بالنسبة إلى الكثيرين بمقام الكتاب الذي يعجزون عن شرائه بسبب ظروفهم المعيشية الصعبة.
* الإسهام في نشر الثقافة الإنسانية، وتعريف القارئ العربي بما يعتمل في العالم من تيارات فكرية وثقافية، وما يستجد من معارف في مختلف العلوم، والتركيز في القيم الحضارية، والمشترك الإنساني الذي يتيح إقامة جسور التفاهم والتلاقح بين الحضارات.
* تحقيق التواصل مع المؤسسات العلمية والثقافية المحلية والعالمية وتشجيع العلماء والمفكرين المنتمين إليها على الكتابة في المجلة نشرًا للعلوم والمعارف، وتأكيدًا لحق القارئ في الوقوف على مسارات التطور في الميادين المعرفية المختلفة.
* تهيئة المجال للأدباء والمفكرين والعلماء الشباب لنشر إنتاجهم وفق معايير الجودة والموضوعية، ودقة التوثيق، بما يحقق ضخ دماء جديدة في مسار الفكر العربي الإسلامي، ويشجع هؤلاء على المضي قدمًا في ميادين البحث العلمي والإنتاج الفكري بخطا واثقة.
* التعريف بالمملكة العربية السعودية إنسانًا ومكانًا، وإبراز أهم مقوماتها الحضارية، بوصفها مهبط الوحي ومهوى أفئدة المسلمين في كل مكان، إلى جانب دورها الريادي في المجالات كافة.
* إطلاع القارئ العربي على قضايا الساعة، وأهم المستجدات في مجالات الفكر والأدب والعلوم والفنون ليظل مواكبًا العصر، وقادرًا على التفاعل الإيجابي معه.
يوفر موقع مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات قاعدة بيانات مهمة وضخمة للبحث فيها تخدم الطلاب والباحثين والمؤلفين بشكل جيد:
http://213.150.161.217/kfcris/login.htm

2- المجلة الثانية التي كنت أعتبرها الصنو والشقيقة الصغرى لمجلة الفيصل: هي المجلة العربية والتي تختلف عن الفيصل بإغراقها أكثر في المحلية السعودية وهي تهتم بشكل خاص بالتراث والثقافة والإستطالاعات المصورة والجغرافيات ولعل أبرز من رأس تحريرها في مرحلة سابقة هو الدكتور حمد القاضي وأتذكر أن أبرز كتابها في تلك الفترة هو الشيخ أبو تراب الظاهري وغيره من الكتاب السعوديين والعرب كالعلامة المحقق حمد الجاسر والمحقق التراثي عبدالله بن خميس. والمجلة تبلغ الآن من العمر ثلث قرن ويبدو أنها هي الأخرى شاخت وتحاول بصعوبة إيجاد مكان متميز لها على الساحة في هذا العصر المزدحم بالعلومات إلى حد الإنفجار.

3- المجلة الثالثة هي مجلة المنهل الثقافية، وقد أسسها في عام 1935م الأديب السعودي المعروف عبد القدوس الأنصاري وهي في مجملها ومحتواها تجمع ما بين المجلتين السابقتين وإن كانت أقرب في شكلها ومواضيعها إلى مجلة العربي الكويتية. وهي تركز أكثر على المواضيع البحثية والفكرية وتمميز بكثرة الملفات التي تطرحها والحجم الكبير الذي تصدر به والذي يصل إلى مئات من الصفحات أحيانا.

4- المجلة الرابعة: هي مجلة العربي الكويتية وقد صدر العدد الأول منها عام 1958 ولازالت حتى اليوم وربما هي الأقوى حاليا من بين تلك المجلات الأربع والأكثر انتشارا ولازلت أتابعها بشكل متقطع وبما يمن به علي وقتي من فراغ لأتصفح بعضا من مواضيعها الثقافية والأدبية والعلمية المميزة ، وللمجلة تأثير كبير في الثقافة العربية حيث مازال يتابعها الكثير في أنحاء الوطن العربي (في السودان مثلا يحرص الجميع من كل المستويات على اقتنائها والتسابق في شرائها حتى لو كانت قديمة الإصدار) بل وأوسع من ذلك إذا تتميز عن بقية تلك المجلات بشموليتها العربية فأنت هنا لا تحس بالمحلية الكويتية إطلاقا بل تشعر بالوطن العربي بأكملها بين دفتي غلافها وبين راحتي يديك، وقد قام على المجلة وعلى تحريرها نخبة من أبرز المثقفين العرب كأحمد زكي وأحمد بهاء الدين وفهمي هويدي وغيرهم وتتميز المجلة بموضوعاتها الإستطلاعية المصورة ومعلوماتها الغنية حول الثقافة والفكر والأدب والرحلات وغير ذلك كما تتميز بملاحقها الممتازة وكتيباتها الشهرية المركزة وندواتها الثقافية المستمرة، ويعيب عليها أحيانا أنها تنحو اتجاها فكريا واحديا بدون الإهتمام ببقية الإتجاهات الأخرى في الوطن العربي.
مواضيع متعلقة
الوسوم: إعلام, العربي, الفيصل, المجلة العربية, المنهل, ثقافة, مجلات













