انتقل إلى المحتوى

OkBaH's Observations Blog – مدونة متابعات عقبة مدونة متابعات عقبة (مدونة عقبة مشوح) – الحياة طويلة بجلائل الأعمال، قصيرة بسفاسفها – مدونة شخصية ثقافية سياسية تقنية إعلامية سورية

عبد الوهاب المسيري

في رحاب الفلسفة والسياسة مع السيد ولد أباه

12 مارس, 2010
12345 (1 صوت, معدل: 5.00 من 5)
Loading ... Loading ...

http://www.midadulqalam.info/midad/uploads/Image/Ort/Or_Griechenland_001_Philosophie_Athen_Schule%20.jpg

كان شهر ديسمبر الماضي حافلا لي على الصعيد الشخصي والاجتماعي بسفر قصير -مع رفيق الدرب شاكر-  إلى العاصمة الرياض التقيت فيه مجموعة طيبة ومتميزة من الإخوة والأصدقاء من المعارف الإفتراضيين والحقيقيين وأيضا بحضور العديد من الفعاليات الثقافية والتقنية المتميزة.

لكن أهم لقاء شهدته كان مع المفكر الموريتاني والكاتب المعروف في الصحف العربية.. السيد ولد أباه في جلسة نخبوية مصغرة طالت إلى مابعد منتصف الليل وكان من الممكن أن تطول أكثر مع استرسال ذلك المفكر القدير في الحديث وتشعب القضايا وشجونها اللامنتهي لولا اشفاقنا عليه من سفر صباحي وتعب مستمر.

http://www.arrouiah.com/files/imagecache/node_photo/files/rbimages/1242756541980556900.jpg

الحديث مع السيد ولد أباه انصب في محاور عديدة أكتبها من ذاكرتي فقط -ندمت لاحقا على عدم تسجيل بعض النقاط المهمة وكذلك التقاط بعض الصور للذكرى – وأتمنى أن تسعفني هذه الذاكرة وأن يصحح لي من حضر معي وعلى رأسهم الأخ العزيز طارق المبارك.

1- أولى المحاور كان الحديث عن فلسفة وفلاسفة المغرب ومقارنة مع فلاسفة المشرق ومايتمايز به كل فريق وأثره على الآخر.

2- السياسة كان لها نصيب بالحديث عن إيران وبرنامجها النووي ومشاريعها التوسعية في المنطقة ووصولها حتى إلى موريتانيا.

3- حديث آخر عن السلفية وابن تيمية وبعض الأفكار المتعلقة بها هنا وهناك.

4- طرائف وأحاديث عن المفكر المصري حسن حنفي.

5- حديث قصير عن الدكتور والعالم الجليل عبدالله ابن بيه وكذلك عن العالم الكبير ولد الددو.

6- الحديث عن طارق رمضان وإبداعاته وكذلك عن المفكر التونسي الكبير أبو يعرب المرزوقي.

حديث السيد ولد أباه السلس والمتدفق يجبرك على الإنصات أكثر وإن ثارت في نفسك بعض الأسئلة لم أستطع منع نفسي من طرحها على السيد ولد أباه وكذلك بعض المداخلات المشاكسة :)

ورغم تلك المحاور المتعددة والمتشعبة كان الحديث في أغلبه يدور عن الفلسفة وأبرز رجالاتها المغاربة وبالتحديد الثلاثة الكبار كما وصفوا:

- عبد الله العروي.

- محمد عابد الجابري.

- طه عبد الرحمن.

ولقد سعدت واغتنيت عندما سمعت معلومات لأول مرة عن هؤلاء ومواقف من حياتهم ونهجهم الفكري وأساليبهم في العيش والإختلاط مع الآخرين. خصوصا أني معجب أيما إعجاب بالثقافة والفلسفة المغاربية منذ القدم.. منذ أطروحات ابن خلدون والأندلسيين الكبار ابن رشد وابن طفيل وابن الخطيب وغيرهم والذين انتقلت كل بضاعتهم إلى المغرب بعد السقوط المدوي للأندلس في تلك القرون الغابرة .

(كانت تلك النكسة في مغرب الأمة الإسلامية نعمة في طي نقمة.. فرغم تقلص المساحة الجغرافية ورغم إبادة دين بأكمله في بقعة معينة ورغم الدوي المحزن ذو الوطء الثقيل بضياع الأندلس إلا أن علمائها وكبارها وفلسفتها وثقافتها امتزجت في المغرب بعد انتقالهم إليها وانتجت في القرون اللاحقة لهذا السقوط أعظم ابداعات الحضارة الإسلامية الفكرية والفلسفية. وماحدث في المشرق هو العكس فسقوط الأندلس صاحب فتح القسطنطينية واتساع البقعة الجغرافية للامة الإسلامية.. لكن وقتها كان المشرق يدخل من بوابة واسعة أحلك فتراته الزمنية في الجمود والإنحطاط الفكري والحضاري والفلسفي).

http://imezran.org/mountada/files5/abdellaharaoui.jpg

ماسبق موضوع طويل بلا شك -لعلنا نخصص له تدوينة مستقلة- إذا أن الإنحسار أو التمدد الجغرافي ليس العامل الوحيد والرئيس في الإنحطاط الفكري والفلسفي والجمود العقلي لكنها كانت مفارقة واضحة في هذا الحدث. إذ دخلت عوامل كثيرة في ذلك ساهم فيها السلطان والعالم والمثقف والفرد في هذا الإنحطاط ولن ننسى أن التوسع الجغرافي في الصدر الأول شرقا وغربا وشمالا قد أثرى الحضارة الإسلامية بتمازجها مع الحضارات الفارسية والهندية والبربرية والقوطية ضمن تلاقح انتج حضارة من اعظم الحضارات ذلك الوقت.

نعود إلى موضوعنا.

ثلاثي المغرب الفلسفي العظيم

فالأول عبد الله العروي فيلسوف ومفكر كبير لكنه يكتب بلغة لا يفهمها إلا نخبة النخبة لذلك لا تجده منتشرا بين الأجيال الجديدة ولا حتى المتوسطة رغم انه يعتبر أول من مهد وبعث نمط الفلسفة المغاربية في عهدها الجديد والحديث وبرز بعد ذلك من نشر هذه الفلسفة  بطريقة أوضح من تلامذته وأقرانه والمعولين عليه.

وعبد الله العروي يحمل أساليب المفكر الحقيقي المنعزل والمبتعد عن الناس في برجه العاجي -من قال أن الإعتصام في برج عاجي هو مذمة!! – فهو لا يستقبل احد في منزله ولا يزور أحد ولا يشارك في أي مناسبات إجتماعية ولا يستمع للموسيقى ولا يمارس أي دور ترفيهي في حياته.. نذر نفسه للكتابة والقراءة ورأى في كل مايشغل عنهما أمر لا يهمه ولا يريده.

أما محمد عابد الجابري فهو نسخة مخففة من العروي في اسلوب كتابته وفي طريقة عيشه وهو من قام بتنزيل الفلسفة المغربية بشكل مفهوم ليقراها الجميع ويستوعبوها وهو من اشتهر كثيرا في الوطن العربي بمشرقه ومغربه، لكنه أيضا لا زال يحمل روح الفيلسوف المنكب على كتابته وقرائته، يبدأ من الصباح ولا ينتهي إلا مع الهزيع الأخير.. لكنه مع ذلك وعلى عكس العروي يستقبل الزوار في منزله ويشارك في المؤتمرات والأحداث ويمارس حياة شبه طبيعية.

http://2.bp.blogspot.com/_dcPcQsFRDdo/SnTMWC7joeI/AAAAAAAAAfU/LSSNw2jtMwA/s400/taha%5B1%5D.jpg

في أحد المؤتمرات بدبي كان كلا من السيد ولد أباه وعابد الجابري ومذيعة الجزيرة إيمان عياد يتناولون أطراف الحديث مجتمعين فقال لها الجابري فجأة: انتي على الواقع أجمل منك على الشاشة :D فرد السيد ولد أباه لإيمان بأن عليها أن تفرح وتفتخر لإن هذه هي المرة الأولى التي يغازل فيها الجابري إمرأة :)

الثالث كان المفكر طه عبد الرحمن (لا شك أن أغلبكم لم يسمع به) وأنا بصراحة كانت المرة الأولى التي أسمع اسمه وأحس بوزنه الثقيل في عالم الفلسفة العربية بشكل عام والمغاربية بشكل خاص وهو يشكل الفلسفة بمدرستها الصوفية نظرا وعملا مستمدا من التراث الإسلامي أسس تلك الفلسفة. وبحسب ولد أباه فإن مشروع طه يعنى بـ “السعي لتجديد الدين من خلال نهضة عقلانية تستخدم الأدوات الكونية في النظر، لاستثمار آفاق المجال التداولي الإسلامي.”

فرص الإسلاميين الضائعة

أقوى عبارة التقطتها من السيد ولد أباه ورسخت في ذهني ونشرها العزيز طارق المبارك في ملفه على الفيس بوك هو قوله أن الإسلاميين أضاعوا ثلاثة مفكرين كبار في القرن العشرين واستبدلوهم بآخرين هم أقل منهم شأنا وحظا (الحقيقة ان المفكر الثالث مازال متوفرا ويخشى السيد ولد أباه أن يضيع كما ضاع الاثنان من قبله).

1- فهم أضاعوا محمد إقبال وفلسفته واستبدلوه بأبو الأعلى المودودي ومنهجه.

2- وأضاعوا مالك بن نبي ومشروعه النهضوي واستبدلوه بسيد قطب ومنهجه.

3- ويكادوا أن يضيعوا المفكر المغربي طه عبد الرحمن عندما استبدلوه بعبد الوهاب المسيري وفكره.

وماسبق يشبه النظرية الجديدة ولا أدري هل قالها السيد ولد أباه من قبل أم أنه ألقاها على مسامعنا للمرة الأولى في حياته.؟!

وقد كانت مناسبتها عندما طرحت عليه سؤالا يتعلق بالمسيري واسهامته الفلسفية والفكرية تعقيبا عن انحسار الفلسفة في مصر بعد أن كانت من أحد أهم رافديها (باعتباري مريدا للمسيري قمت بطرح هذا السؤال) وكذلك نقده للمناهج الفلسفية المختلفة كالتفكيكية والنماذج العلمانية الحلولية وغيرها.

ولد أباه والمسيري

كانت المفاجأة والقنبلة الثقيلة هو اعتبار السيد ولد أباه .. اعتباره المسيري عالة على الفلسفة وغير مختص ولذلك أتى بالعجائب فيما يتعلق بها (والعجائب هنا كلمة سلبية على طريقة “من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب”).

كانت الفكرة أن المسيري ناقد أدبي أساساً – وهذا صحيح- فدخوله إلى الفلسفة والحديث فيها كان قاصرا فلم يستطع نقد مناهج مثل التفكيكية وفلسفة جاك دريدا Jacques Derrida بقوة وإنما فهمها بشكل خاطئ وبنى نقده على هذا الأساس، وجاك دريدا أبدع وانتج فلسفة مهمة لم يستوعبها المسيري بحسب مايرى السيد ولد أباه.

قد لا أتفق مع هذا الكلام وقد أتوقف فيه لقصري في عالم الفلسفة الذي هو بحر لا ساحل له لكني بلا شك نوهت سابقا كيف ساهم المسيري في موسوعته بهدم ونقض أفكار جاك دريدا في هذا الباب. (ربما يقصد ولد أباه تعريف التفيكية بـ “ أنها عملية حركية استراتيجية في تحليل النص والنظر إليه.” وكذلك: “أن التفكيكية تنحو إلى أنه لا يمكن أن نفهم نصاً ما فهما كاملا أو متماسكا مهما كانت درجة الفهم والقراءة هذه”) بينما يعتبرها المسيري رحمه الله : “تُعَدُّ منظومته الفلسفية (إن صحت تسميتها كذلك) قمة (أو هوة) السيولة الشاملة والمادية الجديـدة واللاعقلانية المادية”. وكذلك يقول عنها: “ودريدا كعادته لا يقول الصدق، فما يفعله هو أنه يأخـذ جزءاً من الحقيقة ثم يضخمه ويجعل من هذا الجزء الحقيقة كلها. والحقيقة أن عالم السفسطائيين (الذين سبقوا دريدا بأكثر من ألفي سـنة) هو عالم بلا مركز، عالم من الصيرورة الكاملة وعدم التواصل”

http://www.almultaka.net/photos/2209200860746.jpg

فالمسيري في موسوعته -في مقدمتها بالتحديد عندما شرح المفاهيم الفلسفية- نسف العديد من النظريات والأفكار الحلولية المتأثرة والمؤثرة بالصهيونية -هنا مكمن الربط- والذي ربما أخذه السيد ولد أباه عليه.

أيضا يأخذ ولد أباه على المسيري “نظرته السطحية لداروينية نتشه ويهودية دريدا” وكذلك مفهومه للعلمانية الشاملة التي يرى فيها النظرة الضيقة والإنغلاق على الآخر. وايضا مفهومه لمصطلح “الحداثة الإسلامية”

الفرق الآخر الذي أراه أن المسيري رحمه الله خرج عن مناهج الفلاسفة بخروجه عن نمط حياتهم حينما اجتاح الميدان السياسي في آخر حياته وقام بتنزيل منهجه وفكره عمليا على أرض الواقع (وهذا هو الصحيح) أي نزل من برجه العاجي ولم ينتظر أن يطبق الناس مبادئه وأفكاره التي كتبها لهم.. بل بدأ بنفسه وكافح الظلم والفساد والديكتاتورية وناصر فلسطين واشترك في المظاهرات والاحزاب والحركات السياسية حتى أنهكه المرض وسكن إلى جوار به. بينما بقية الفلاسفة الآخرين مازالوا يؤلفون وينثرون مدادهم على الصفحات ويطبعون ويشاركون في المؤتمرات أو يسكنون منعزلين في بيوتهم! مع ذلك نتمنى أن يوزن مدادهم بدماء الشهداء والعاملين!

فالخلاصة أن المسيري ناقد أدبي كبير لكنه دخيل على الفلسفة حيث اضر أكثر مما نفع فيها بحسب مايراه ولد أباه. وقد قلت لطارق في السيارة اثناء عودتنا انني أختلف مع ولد أباه بذلك ولا أقبله لكنني في سري الآن أقول انني متوقف وان الأمر يحتاج لبحث طويل وعميق ربما يستمر سنوات.!

http://www.islammemo.cc:1589/memoadmin/media//ekbal.jpg

وعودة إلى تلك المقولة وأولئك المفكرين الذين أضاعتهم الحركات الإسلامية ففيها نرى بشكل واضح تفضيل محمد إقبال على المودودي، ثم تفضيل مالك بن نبي على سيد قطب، ثم أخيرا تفضيل طه عبد الرحمن على عبد الوهاب المسيري.

بدايةً.. نقاش هذا سيطوّل هذه التدوينة جدا (وهي الطويلة أصلا فعذرا قارئي الملول :) ) لكن باختصار نستطيع الإشارة إلى مقصد ولد أباه الواضح هو أن الحركات الإسلامية فضلت العاطفة على العقل أو الفكر الثوري على الفلسفة الحكيمة.. أو حتى الحدية والإحتراب على  الموادعة والمسالمة.. أو باختصار: انغلاق وتشدد وعزلة المودودي وسيد قطب والمسيري على انفتاح وتسامح وكونية اقبال ومالك بن نبي وطه عبد الرحمن في مشاريعهم الفكرية والنهضوية. قد يكون هذا صحيح أحيانا وقد يبطل في أحايين أخرى وأيضا قد لا يكون أولئك الأعلام في مجال المفاضلة والنقيض أصلا بل يمكن الاستفادة من جميعهم في بناء مشروع حضاري معرفي متعدد الادوات.

عموما كان الاخ طارق (أبو بدر) قد طلب من السيد ولد أباه بعد هذه الجلسة “شرح اكثر لمقولته حول الفرص الفلسفية الضائعة للفكر الاسلامي،فوعد بذلك في مقالته في صحيفة الاتحاد” وهاهي المقالة المهمة والتي أتمنى من الجميع قرائتها.

ولو لاحظنا أن الإسلاميين بحسب ولد أباه لم يضيعوا فقط هؤلاء الثلاثة بل ذكر آخرين أصحاب مشاريع فكرية أخرى كعبدالكريم سروش، وبشير سليمان ديان.

بل أن ولد أباه يرى أنه: “وعلى الرغم من الوعي المتزايد بالآثار الفادحة التي خلفها هذا الموقف فكرياً وسياسياً، فإن الخطاب الإسلامي السائد يبدو في أكثر نسخه “اعتدالا” و”انفتاحاً” محجماً عن فرصة راهنة متاحة للمراجعة الذاتية والانطلاقة المتجددة.”

وذلك موضوع آخر في مكان آخر بحول الله.

آرية هتلر والمرزوقي

كان هنالك بعض الحديث عن المفكر الرائع أبو يعرب المرزوقي واستيعابه العميق للفلسفة واللغة الراقية التي يكتب بها (رغم صعوبتها ومطولاته التي لا تنتهي) وويمكن أن ترى نموذجا لذلك حينما تصدى ذلك القريب من أفكار التغريب والحلولية أبو يعرب المرزوقي للخارج من البيئة المحافظة إبراهيم البليهي ونسف أفكاره المتعلقة بحضارة العرب والغرب نسفا بمقالة قيمة جدا عنونها بـ” آرية دونها آرية هتلر”

(تعليقا على ذلك تفاجئت مؤخرا بأن البليهي لا يتقن حتى اللغة الإنجليزية-وكنت أظنه على كثرة تغزله بالغرب وإلقاءه للقمامة على العرب- وكأن رفاعة الطهطاوي أو طه حسين بعثوا من جديد وهذه المرة من نجد!- كنت أظنه يتقن الإنجليزية وقرأ بها حتى مل ودرسها حتى أشبع بها.. مع ذلك هو يتجرأ للحديث عن المسيري وذمه بشدة رغم أن هذا الأخير تخصص في الأدب الإنجليزي وكان جزءا لعقد أو أكثر من الزمان من الحضارة الغربية!! )

وهنا تذكرت من قال بأن ابن سينا وابن رشد لم يدركوا من الفلسفة إلا القشور فتخبطوا بها.. بينما أدرك أبو حامد الغزالي وابن تيمية لب الفلسفة فأبدعوا بها. و بغض النظر عن شخوص هذه العبارة ومدى صحتها وانطباقها عليهم إلا أن الفكرة صحيحة وهي أن من يلج الفلسفة ولا يتعدى قشورها فسنرى منه كل أنواع التخبيص وكل ماليس له علاقة بالفلسفة-وقد يوصله ذلك إلى الإلحاد مثلا- بينما من يتمكن منها ويهضم لبها وحقيقته فسيبدع في فهم مكنوناتها وشرحها وسيوصله ذلك بلا شك إلى زيادة الإيمان وتذوق حلاوته.

http://www.moheet.com/image/45/225-300/453676.jpg

أما طارق رمضان ذلك المفكر الأوروبي المسلم الواعد فبالإضافة إلى أنه شيخ العزيز أبو بدر :) فقد ذكر ولد أباه حادثة جميلة عنه حينما تصدى لمثقف فرنسي من أصل مغاربي يطعن في الإسلام -وكان مشتهرا بانه أديب يتقن الفرنسية أكثر من أهلها أنفسهم- مع ذلك تصدى له طارق رمضان بمناظرة تلفزيونية وبلغة فرنسية أدبية راقية تفوقت عليه وحاججه بقوة وأنهكه حتى أسقطه فكريا.

أخيرا وبعد انتهاء تلك الجلسة المميزة لم ننس أن نتناول طعام العشاء مع أبو بدر من “شاورمر” وفي منزله الساعة الثانية فجراً  وهذا من كرم الضيافة المعهود لدى آل المبارك :)

قد تتفق أو تختلف مع السيد ولد أباه لكن بلا شك لا تستطيع إل ان تقف احتراما لهذا الرجل ونتاجه وفهمه واستيعابه لمفكري وفلاسفة عصره. وكم أتطلع لجلسة قادمة وقريبة معه ومع أمثاله لعلنا ندخل جنة الفلاسفة في الدنيا وننال تلك الأخرى.

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

قصة حب وشهادة..

10 مارس, 2010
12345 (2 صوت, معدل: 5.00 من 5)
Loading ... Loading ...

http://farm2.static.flickr.com/1100/1175766394_cae6d5589d.jpg

نحن الآن في أجواء احدى القرى العربية الصغيرة حيث مازال النقاء والطهر يشوب النفوس رغم بعض العوالق والعادات المتأصلة، هنا نشأ حب طاهر وعميق ازداد وازدان مع الأيام ليثمر بما تمناه وأمّلاه العاشقان طويلا رغم المصاعب والمشاق التي دونها خرط القتاد..

في المرحلة الإبتدائية حيث مدرسة القرية الصغيرة كانا طفلان يتنافسان على المراكز الأولى والتفوق فيسبقها وتسبقه ويتبادلان المواقع بشكل دائم، كانت تنظر إليه نظرات وصفها بالمخيفة، ولم تكن تلك إلا نظرات اشتعال الحب الأولى لكنه لم يدري لما كان يخاف منها..

حينما نضجا وانفصلا لم يكن التواصل بين الجنسين سهلا في مجتمع تقليدي محافظ كمجتمعهما فكانت الرسائل المكتوبة بحبر القلوب والأقلام والدموع تصل بينهما ويتبادلان عبرها المشاعر البريئة والحكم والنصائح والمواعظ، قال لي: (استطعت أن أقنعها بالحجاب من خلال هذه الرسائل وبالتدين والإلتزام الصحيح والواعي بعيدا عن جهل وعادات القرية المتأصلة في النفوس، واستطعت بواسطتها وبواسطة هذه الرسائل أن أقنع عشرات الفتيات الأخريات بالحجاب والإلتزام ممن كن يحطنها ويعرفنها)

لم يكن الطريق سهل ولم يكن الحب مفروشا بالورود كما هو دوما ، فحين كانت الوسيلة الوحيدة لإيصال الرسائل هو تسلله ليلاً إلى منزلها ليلقي بالرسائل أو لتبادله الدور وتذهب بنفسها إلى منزله لتلقي برسالته العزيزة، حدث أن رأه شقيقها ملتبساً برسالته وحبه لكنه استطاع بسابق معرفة وحيلة صغيرة أن يبرئ نفسه وأن يقنع ذلك الشقيق بسلامة نيته وصدق طويته لينجو من عقاب كبير آثر بعدها أن يخفف من وقع هذه الرسائل وهذا الغرام المتأصل.

حينما ذهب للدراسة الجامعية في العاصمة كان فراقاً صعباً عليها ولم تشأ أن يغيب عنها طويلاً، فكانت تخرج إلى مشارف القرية نهاية كل أسبوع انتظاراً لعودته فتكتفي بأن تلمح خياله وشبحه قادماً من بعيد يحث الخطى بقلب ملهوف ومشاعر مختلطة لتعود بعدها تذرف دموع الحب والشوق.

ولما لم يكن للمتحابين إلا أن يتزوجا ، حاول أن يتقدم إليها أكثر من مرة بدون أي فائدة لعادات جاهلية تقضي بأن تكون تلك العاشقة لقريبها ولا لأحد غيره حتى والدها لم يكن له يد أو قرار في هذا الأمر، فالعرف القبلي فوق كل شيء.

لم ييأس ، حاول ثم حاول ثم حاول ، وهدد أبناء عمومتها بالويل والثبور ان خرق أحد العرف القبلي، فإما أن تتزوج من ابن عمها او تبقى حبيسة بيتها بلا زوج ولا عائلة، وكان أمامها مثالان حقيقيان لاثنين من عماتها اللتان حاولتا الزواج من خارج القرابة فكان مصيرهما الجلوس والحرمان من سنة الحياة وفوات قطار الزواج بأكمله.

إلا أن الحب يفجر القوى ويفعل المعجزات.. وهذا ماحصل.. جاءها الأقارب إلى منزلها لكي يزوجوها من أحدهم عادة وعرفا وتحت أنظار والدها.. والذي سالت دموعها أمامه.. فحن قلبه لأول مرة.. ورحم تلك النظرات المتوسلة.. فاستجاب لطلبها.. وأمسكها.. بل ومنح المزيد عندما دعا ذلك الحبيب لكي يتزوجها!!

جائه الخبر صاعقا..فلم يكن متوقعا.. ولم يكن جاهزاً أبدا.. ولا بد بسرعة من انهاء الأمر بطلب الجميع حتى لا تتحرك الأعراف القبلية الغاضبة من قرار هذا الوالد والمتوعدة بالويل والثبور وبـ”الفصل” القبلي!!

جرى الأمر بسرعة كبيرة.. جهزت الشقة وزفت العروس إلى حبيبها..وتزوجا.. وأثمر هذا الزواج المبارك عن أربعة أبناء..

ولا أدري هل كانت خاتمة هذا الحب حزينة أم سعيدة أم مختلطة من الاثنين.. فهو وحتى بعد حبه وزواجه.. لم ينس قضيته المعلقة برقبته.. وواصله عمله ودعوته.. حتى هاجم سيارته مسلحون فارتقى شهيدا محبا إلى الجنان بإذن الله.. وإلى ذلك الحب الأكبر..حيث المغفرة والرضوان..

رحمك الله ياأبا عبد الله.. ورزقك ياأم عبد الله الصبر والسلوان أنت وتلك الزهرات الأربع.. هنا ستجتمعون بلا شك.. ليتجدد ذلك الحب الأبدي والسرمدي.. في جنات عدن بإذن الله

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

كسرا لمحرمات طائفية موهومة

6 مارس, 2010
12345 (1 صوت, معدل: 5.00 من 5)
Loading ... Loading ...

“نعرف الطائفية بأنها مجموعة الظواهر التي تعبر عن استخدام العصبيات الطبيعية، أي ما قبل السياسية، الدينية منها والإتنية والزبائنية المرتبطة بظاهرة المحسوبية أو المافيا، في سبيل الالتفاف على قانون السياسة العمومية أو تحييده، وتحويل الدولة والسلطة العمومية من إطار لتوليد إرادة عامة ومصلحة كلية، إلى أداة لتحقيق مصالح خاصة وجزئية. إنها تشكل ما يشبه الاختطاف للسلطة السياسية التي هي أداة تكوين العمومية لأهداف خصوصية.”

الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة،”

برهان غليون

http://malothman.files.wordpress.com/2009/11/d8a7d984d8b7d8a7d8a6d981d98ad8a9-2.jpg

لطالما دار في خلدي سؤال عميق وكبير اردت طرحه مرارا وتكرارا على الجميع ولم اجد الفرصة المناسبة الا الان..
لطالما أشغلني هذا السؤال ولطالما اعتبرته اساس المشاكل في بلدنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها..
ولطالما أيضاً كان هذا السؤال من المحرمات والموبقات وهنالك سيف مصلت على رأسك ان حاولت او نويت مجرد التمتمة به!! وهذا السؤال للأسف ان قاله وعمل به فيهم الشريف تركوه وان قاله الضعيف مجرد القول أقاموا عليه الحد بهذا السيف!!
ماذا يعني ان تكون طائفي؟ مالصفات التي تؤهلك لهذا اللقب او لهذه الشتيمة لدى البعض؟ مامعنى الطائفية اصلا؟ ومتى نقول عن فلان بانه طائفي وفلان الاخر غير طائفي؟
كنا نسمع قديما بان الثالوث المحرم هو السياسة والدين والجنس.. أنا أعتقد انه مربع وليس مثلث.. إذا فصلنا الطائفية عن الدين.. وأعتقد أنه لا بد من فصلها (ربما تكون الطائفية جزءا منها) .. بعد ان اختلطت المفاهيم واعيد تحرير المصطلحات.. وكل قوم بما لديهم فرحون..

لماذا حين تمارس الحكومات أفعال طائفية مقيتة وكبيرة يتم السكوت عنها بل ويتم وصم من يستنكرها بالطائفي، فيما حنيما يخطأ أحدهم وبعفوية تامة وينادي على فلان أو علان بانه مسلم أو مسيحي أو علوي أو شيعي أو سني، تسارع الألسنة الحداد لضربه بسيف الطائفية وفتح مآتم الحزن والبكاء على الشعب الذي أصبح طائفيا وعلى ذلك المرض المستشري الطائفي الذي اخترق عقولنا ودمر أفهامنا!!

هل أصبحت تلك الطائفية حقا يراد به باطل؟ وصارفا أساسيا عن مسائل كبرى في الإصلاح والنهضة ومحاربة الفساد الإداري والمالي والسياسي والأخلاقي المستشري بقوة في كل طبقات البلاد؟

هل أصبح سيف الطائفية صك براءة للحكم القائم -كهولوكوست ألمانيا- يفيه من أي تبعات ترتبت عليه خلال العقود السابقة ويدين كل أعدائه ومعارضيه؟

الطائفية في سورية ممثلة في الحكم مرت باعتقادي باطوار عديدة ميزتها بقوة.. فمن الطائفية الحزبية إلى الطائفية الدينية إلى الطائفية العائلية إلى الطائفية الفردية التي بلغت مداها ومنتهاها، بكل تلك الاطوار دفعت البلاد ثمنا غاليا جدا من دماء وأموال وجهود ضائعة مقابل الحفاظ على حكم قائم واستقرار موهوم لم يكن للشعب الذي ظل مضطربا بأشكال عديدة لكن لمن يحكم ولكرسيه القائم باعتقاده إلى الأبد.

أعتقد أنه يجب تسمية الأمور بمسمياتها ويجب كسر سيف الطائفية ذلك المصلت على أعناق المتحدثين والكتاب والمثقفين والمدونين.. والطائفية الحقيقية هي بيد من لديه القوة والسلطة ليميز بين أفراد شعبه ومجتمعه على أساس ديني أو عرقي أو مناطقي حتى.. من يطفف في الحقوق والواجبات تبعا لانتماء معين.. من ينوع ويشكل في واجهات الحكم من مهرجين ومطبلين ويمسّك القوة الحقيقية بيد فئة معينة.. من يقتل ويشرد ويحرم على أساس طائفي سياسي أو غيره.. من يستقوي على أساس طائفي ويبغي ويتجبر على هذا ليستمر بحكم موهوم..

الطائفية لها معنى أوسع الطائفية هي كل تمييز بغير وجه حق.. الطائفية ليست مجرد تسمية الأمور بمسمياتها.. على الأقل بالنسبة لي ومن الآن فصاعدا..

للمزيد:

1- نقد مفهوم الطائفية – برهان غليون

http://critique-sociale.blogspot.com/2007/02/blog-post_3119.html

2-هل الطائفية دينية فقـط؟

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=4447

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

موسم الهجرة إلى القنديل!

25 يناير, 2010
12345 (1 صوت, معدل: 5.00 من 5)
Loading ... Loading ...

2781180896_780c070ba3[1]

كعادتي كل فترة، توجهت إلى مكتبة جرير لأطلع على جديد الكتب وأقتني بعضها، تجديدا للفكر والعقل والنفس أيضاً، أحجمت فورا عن الكثير من الكتب وامتنعت عن اقتناء العديد منها لعدة أسباب ترسخت بعد زيارات كثيرة لهذه المكتبات التجارية:

1- فالملاحظ بشكل دائم فيها هو كثرة الغثاء والسخف في الناتج الثقافي العربي من مطبوعات وكتب، فهي إلى جانب قلتها ونسبتها الضعيفة مقارنة مع الدول الأوروبية والأمريكية، يغلب على هذا القليل التجميع والتقليد والنسخ والتفاهة.

2- غلاء الأسعار بشكل لا يطيقه النسبة الأكبر من المتسوقين وحتى أبناء الطبقة المتوسطة مقارنة بكتاب متوسط الحجم لا يستحق كل هذا المبلغ المرتفع!

3- أغنت الإنترنت عن الكثير من بعض الكتب كالموسوعات والمعاجم وكتب المعلومات وما شاكلها، فلا حاجة لاقتناء هذه الكتب وصرف المبالغ الطائلة عليه وهناك ما يغني عنها بطرق إلكترونية أسهل.

4- وجود صف طويل من الكتب التي تنتظر القراءة في مكتبتي وبيتي فلا داع للإكثار من كتب أخرى، وإنما مجرد تجديد وإضافات بسيطة هنا وهناك..

أنهيت جولة متوسطة الطول في المكتبة بأربعة كتب فوجئت عند المحاسب بأنها كانت جميعا روايات عن غير قصد، رغم أني لا أحرص كثيرا عليها وإنما أوازن بينها وبين العديد من الكتب الثقافية والفكرية الأخرى.

عدت إلى البيت وأخلدت إلى الأرض ووضعت حولي الروايات الأربعة وحاسوبا مفتوحا على مواد تقنية، فتخيلت أن أصحابها، أصحاب هذه الروايات وتلك المادة التقنية جالسون حولي في حلقة فريدة وكأنها –بما أن أغلبهم ميتون- جلسة تحضير أرواح ثقافية!

كنت أنا ويحيى حقي مع روايته “قنديل أم هاشم“.

ومعنا طه حسين وروايته “الأيام”.

وهناك حي بين الأحياء وهو أمين معلوف ورواياته “ليون الأفريقي”

ثم الراحل نجيب محفوظ وشيء من ثرثرته فوق النيل.

وإلى ركن قصي كان هنالك منذ قدم أنيس منصور وأيامه في صالون العقاد! لكن لم أضمه إلى تلك الجلسة الفريدة. ولي معه وقفة مريرة لاحقا!

وبشكل غير متجانس كان معنا بيل غيتس وشيء من مواد تقنية مطولة دراسة مني لأحد شهادات مايكروسوفت التقنية والتي لا نهاية لها.

احترت من أين أبدأ وفيما أثني ومن سأثلث به! لكن استقر الرأي دفعا من العقل الباطن على الرائع المرحوم يحيى حقي و فريدته “قنديل أم هاشم” التي ذاع بها صيته كعمل من أهم أعمال القصة القصيرة أو الطويلة قليلاً في القرن العشرين.

نحن هنا نتحدث عن قصة كتبت منذ أربعينيات القرن المنصرم ولطالما سمعت عنها وقرأت عنها الكثير من المديح والإشادة في الكتب والمجلات الثقافية والأدبية المتداولة، ولعل أهم من خصها بالنقد في ذلك الوقت بمقالة رائعة هو الأديب الشهيد سيد قطب رحمه الله ضمت بعد ذلك غلى كتابه القيّم: “كتب وشخصيات”

حتى بداية تلك المقالة ستأسرك وستنبئك بان فيضا من المديح سينثال على هذه القصة وعلى هذا الإبداع القصصي. حينما يستفتح سيد قطب مقاله هذا بـ :

“أووه يحيى حقي.. أين أنت يا رجل..! ليتني أملك سوط الجلاد أيها المبدع الكسول….”

ويستمر سيد في سرد مواهب وإبداعات حقي ويقارنها بتيمور وغيره.. حين يذكر أن حقي قليل الإنتاج مقارنة بغيره لكنه يتميز بالنوع والجودة والموهبة في هذا القليل.

أما تيمور مثلاً فإنه يكتب ويكتب ويكتب ولا بد أن يصادف شيئا جيداً في هذا الكثير الذي يكتبه!

ولازلت اذكر أيضا ما كتبه المرحوم العلامة محمود شاكر أبو فهر في كتابه القيّم “أباطيل وأسمار” عن ذلك الرجل المتواضع الذي زاره ذات يوم لأول مرة في منزله مع أحد الأدباء ثم اتصل به لاحقا يستأذنه في أن يكون صديقه وأن يزوره باستمرار! كان ذلك هو الإنسان المتواضع الأديب يحيى حقي، حيث أصبحا منذ ذلك الوقت صديقين حميمين بل إن بعض المصادر تنسب الأستاذية لشاكر والتلمذة لحقي إلى توفيا رحمها الله في العقد الأخير من القرن العشرين.

إذن كل تلك المقدمات التي قرأتها وسمعتها واطلعت عليها عن يحيى حقي و”قنديل أم هاشم” صنعت في داخلي شيئا عظيما عن هذا الأديب وانتاجه ذلك ربما في ظن بعض جعلت مسألة الحكم عليها وفيها مسألة سهلة وفيها نظر وعليها غشاوة!

إلا أنه بحق رغم كل ذلك كان ينقصني الكثير الكثير، وليس المعاين كالمخبر! ومن ذاق عرف، فكل الوصف الرائع حول قنديل أم هاشم وسلاسة وجمالية لغة وأسلوب يحيى حقي القصصي ، لا يغني كل ذك الوصف عن لحظات قراءته وتذوقه!

فلأول مرة أقرأ قصة- على كثر قرائتي لهذا الصنف الأدبي- بهذه اللغة الرائعة وسلاسة الألفاظ وروعة الأسلوب التي تخترق كوامن النفس وتفعل فيها فعلها، فأنت حينما تقرأ ليحيى حقي –وبالتحديد قنديل أم هاشم- فكأنما تشرب الماء، أو ترشف العسل ببراعته في الحبك اللغوي ورسم الصور بكل سهولة وأناقة ورشاقة لفظية.

تدور قصة قنديل أم هاشم حول ذلك الشاب “إسماعيل” الذي لا يؤهله معدله للقبول في الكليات المحلية المصرية فيقرر والده وبعد المشورة ابتعاثه للخارج في بريطانيا لكي يكمل دراسته ويعود طبيبا تفخر به العائله رغم مشقات البعد والفراق والضغط المالي على العائلة بسبب هذا الابتعاث.

ينقلب ذلك القروي إلى رجل آخر في بريطانيا ويعض ويصادق ويخالل وينجح أيضا في دراسته ويعود طبيبا للعيون ولكنه طبيب ثائر على العادات والتقاليد والرقى والتمائم متحديا وسابحاً ضد التيار السائد ليتجرأ ويحمل عصاه ويحطم “قنديل أم هاشم” ذلك القنديل المعلق فوق ضريح “السيدة” يأخذ الفقراء من زيته ليداووا به مرضاهم بكل أمراضهم ويهدوا له القرابين والهدايا.

وكانت النتيجة أن ثار عليه أهل الحي البسطاء وضربوه حتى كاد أن يهلك لينقذه زميله السابق حارس الضريح وراعيه.

يقرر الطبيب الشاب بعد ذلك أن يعالج خطيبته الرمداء في عيونها بطبه الحديث والذي شافى به العشرات في بريطانيا. لكن حالتها تسوء يوما بعد يوم حتى تكاد أن تفقد البصر تقريبا.

في النهاية يصل الشاب إلى مرحلة التصالح بين حداثته وتقاليده ويعود لزيارة الضريح.. ضريح السيدة غير مستغنيا عن علاجه الحديث.

هذه هي القصة باختصار والتي لن تغنيك عن قراءتها بالطبع، لكن الجملة الأخيرة لعلها تختصر كل فكرة القصة وهي معالجة أزمات التفاعل بين الشرق والغرب. بين الشرق المتخلف المتطلع لتوه لبريق الحضارة الغربية. بين بصر الغرب وبصيرة الشرق. بين عقل العالم الأول، وروح العالم الثالث. بين عقود وقرون من التخلف والتأخر الشرقي، وسنوات حديثة من التفوق والتقدم العلمي الغربي الرهيب.

لقد كان هذا شغل المثقفين والأدباء الشاغل في نصف القرن العشرين مع حقبة الاستعمار واقتراب نهايتها فكان الناس أصناف ثلاثة:

صنف رضي الغرب بمحاسنه ومساوئه وقرر الاندماج فيه وخلع هويته بشكل كامل.

وصنف انغلق تماما على نفسه وأغلق النوافذ بحجج كثيرة حتى ذوى ومات.

وصنف متوسط بين هذا وذاك أغلق الأبواب كلنه فتح النوافذ واستقبل الجديد بمحاسنه وترك مساوئه..

ولعل هذا الصنف الأخير هو ما حاول يحيى حقي رحمه الله عرضه ومعالجته من خلال قصة هذا الشاب المتمرد والحائر بين تقاليده ومجتمعه الذي كان ينظر إليه نظرة احتقار واشمئزاز ثم تصالح وتقدير بعد ذلك بعد أن أدرك أن لا عقل للغرب بدون روح للشرق.

هل انتهى هذا الصراع؟

لا أظن ذلك فما زلنا وحتى الآن نشهد العديدين من ذوي الصدمات الحضارية ممن خرجوا لأول مرة إلى ديار الغرب وجامعاته ومعاهده ليرسل خطاباته من هناك محتقرا لمجتمعاته وجامعاته وطلابها ومناهجها..غير متصالحا لا مع ذاته ولا مع أهله مكررا ذات الأخطاء وذات السلبيات. وقد لا يفيد مجتمعه حتى في النهاية بما تعلم ودرس. ان استفاد هو نفسه.

اقتباسات

يحيى حقي يصوغ ويسبك كل ذلك بتفنن وإبداع لغوي وفكري منقطع النظير.

انظر اليه وهو يصف وصول إسماعيل بالباخرة غلى الاسكندرية بعد انتهائه من دراسته:

“لماذا تتعمد البواخر كل هذا التلكؤ عن الوصول وما كان أسرعها عند الفراق! “

“إن من يلجأ إلى المشجب يظل طول عمره أسيرا بجانبه”

ويصفه ببريطانيا ويصف صديقته ماري:

“التعارف عنده اصطدام بين الشخصيان يخرج منه ظافراً أو خاسراً، التعارف عندها لقاء، والود متروك للمستقبل”

“من طلب أخلاق الملائكة غلبته أخلاق البهائم”

“إن هذه العواطف الشرقية مرذولة مكروهة لإنها غير عملية وغير منتجة وإذا جردت من النفع لم يبق إلا اتصافها بالضعف والهوان. إنما هذه العواطف قوتها في الكتمان لا في البوح”

“والنفس البشرية لا تجد قوتها ومن ثم سعادتها إلا إذا انفصلت عن الجموع وواجهتها، أما الإندماج فضعف ونقمة”.

وهنا يصف الشعب المسكين ولعله يصف كل الشعوب العربية:

“وما فائدة الجهاد في بلد كمصر ومع شعب كالمصريين، عاشوا في الذل قرونا طويلة فتذاوقوه واستعذبوه”

“هذا شعب شاخ فارتد إلى طفولته لو وجد من يقوده لقفز إلى الرجولة من جديد في خطوة واحدة، فالطريق عنده معهود والمجد قديم والذكريات باقية”

“إن المحب لا يقيس ولا يقارن وإذا دخلت المقارنة من الباب ولى الحب من النافذة”.

هنا يصف كيف وصل إسماعيل لمرحلة التصافي والتصالح مع ذاته ومجتمعه:

“أين أنت أيها النور الذي غبت عني دهراً؟ مرحبا بك! لقد زالت الغشاوة التى كانت ترين على قلبي وعيني. وفهمت الآن ما كان خافيا علي.. لا علم بلا إيمان”

“استمسك من علمه بروحه وأساسه، وترك المبالغة في الآلات والوسائل. اعتمد على الله ثم على علمه ويديه فبارك الله في علمه ويديه”

“ليس كل ما في الوجود أنا وأنت.. هناك جمال وأسرار ومتعة وبهاء. السعيد من أحسها. فعليك بها عليك”

بين موسم الهجرة والقنديل

ولعل يحيى حقي ابن تلك الحارة لم يكن يقصد أن نعود للتبرك بتلك الأضرحة وزيوتها لكنه أراد أن يوصل فكرة تصالح العلم مع الإيمان علم الغرب مع إيمان الشرق وانهى ذلك بنهاية سعيدة مشرقة.

وهنا تتوارد إلى أذهاننا رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح. فهي تعالج نفس الفكرة وتدور سياقاتها حول نفس الموضوع ونفس الطريقة بذلك الشاب الخارج من القرية السودانية المغمورة إلى بريطانيا لدراسة الأدب ليعود بعد نفس المدة من السنين في قنديل أم هاشم!! وتتوالى الأحداث.

لكن خاتمة موسم الهجرة لم تكن سعيدة بل كانت مفاجئة وكئيبة بغرق البطل في النهر وفي منتصفه وبتوصل الطيب صالح إلى حالة اللاتصالح واللاتوازن واللاخاتمة. !!!

هذا غير أن يحيى حقي كان أعف اللسان بكثير من الطيب صالح. رحم الله الجميع.

الحقيقة أني قرأت موسم الهجرة إلى الشمال مرتين منذ سنوات عديدة ولم أجد فيها ما يجذبني وما يشدني وما يعجبني من جماليات في الفكرة والأسلوب مقارنة بقنديل أم هاشم.

والغريب أن تلك الأولى نالت كبار الجوائز ووصلت إلى العالمية هي وصاحبها فيما أهملت القنديل رغم جودتها تماما!

أخير “قنديل أم هاشم تحولت إلى فيلم سينمائي.. ربما يعزي قليلاً شيء لمحبيها ومفضليها.

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

ذلك المصري العملاق الذي سيهدم الأسوار

12 يناير, 2010
12345 (1 صوت, معدل: 5.00 من 5)
Loading ... Loading ...

أخي المواطن العربي المصري العزيز..

“هناك قصة قصها علي صديق مناضل، أريد أن أشاركك اياها. ذات مرة قديما او ربما حديثا. حدث أن كان هناك عملاق شرير كان يمتلك قلعة رائعة تطل على البحر. وبينما كان بعيداً عن قلعته لسنوات طويلة منشغلاً بالحروب، اعتاد أطفال القرية المجاورة على زيارة حديقته الجميلة واللهو فيها. وذات يوم، عاد العملاق وألقى بكل الأطفال خارج حديقته.صرخ فيهم وهو يغلق الباب الضخم المصنوع من البلوط باحتقار قائلاً: ‘إياكم أن تعودوا مرة ثانية!’ . وبعدها أقام حائطاً ضخما من الرخام (الفولاذ) حول الحديقة يمنع الأطفال من الدخول.

“وجاء الشتاء ببرده القارص، وتمنى العملاق أن يعود الدفء سريعاً. وحل الربيع على القرية(القطاع) الواقعة أسفل قلعة العملاق، لكن صقيع الشتاء أبى أن يغادر حديقته.

وذات يوم، شم العملاق أخيراً رائحة الربيع العطرة وشعر بضوء الشمس ينسل عبر نافذته. فصاح لنفسه قائلاً: ‘أخيراً عاد الربيع!’ وأسرع بالخروج إلى حديقته. ولكن العملاق لم يكن معداً للمشهد الذي كان بانتظاره. فبشكل أو بآخر تمكن أطفال القرية (القطاع) من تسلق الحائط الرخامي (الفولاذي) وأخذوا يلعبون في الحديقة. ولقد كان وجودهم هو سبب تحول الحديقة من أرض قاحلة شتوية إلى مكان غناء مليء بالزهور والنرجس والسحلبيات. وكان الأطفال جميعاً يضحكون بمرح باستثناء واحد منه. وقعت طرف عين العملاق على صبي صغير كان أصغر حجما من باقي الأطفال، وكان يبكي لأنه لم تكن لديه القوة لتسلق الحائط ودخول الحديقة. فشعر العملاق بالأسى له، ولأول مرة في حياته ندم على الشرور التي أتاها. وحدث نفسه وهو يعدو نحو الصبي قائلاً: ‘سأساعد هذا الطفل’. وعندما رأى الأطفال العملاق وهو يجري، هربوا خوفاً على حياتهم.

ولكن الطفل الصغير الضئيل ثبت في مكانه محدثاً نفسه بقوله: ‘سأذبح هذا العملاق، وسأدافع عن ملعبنا (قطاعنا) ‘.

“وبينما اقترب العملاق من الطفل، فتح له ذراعيه وقال له: “جئتك صديقاً، وأود أن أساعدك على تخطي هذا الحائط والدخول إلى الحديقة. ستكون هذه حديقتك (بلدك) من الآن فصاعداً. ابتهج الطفل الذي صار الآن بطلاً في أعين بقية الأطفال وأعطى العملاق القلادة (الشرف) التي كان يرتديها دائما حول رقبته. وقال له: ‘هذه هي تميمتي (مقاومتي). أريدك أن تحتفظ بها’.

“ومنذ ذلك اليوم صار الأطفال يلعبون في الحديقة مع العملاق. ولكن الطفل الضئيل الشجاع الذي أحبه العملاق أكثر من غيره لم يعد قط. وبمرور الوقت، أصاب الوهن العملاق وسقط صريع المرض. وظل الأطفال يلعبون في الحديقة، بيد أن العملاق لم يعد قادراً بعد على مرافقتهم. وفي هذه الأيام الهادئة، شغل الطفل الصغير تفكير العملاق أكثر من أي شيء آخر.

“وذات يوم، وفي منتصف يوم قارص من أيام الشتاء، ألقى العملاق نظرة عبر نافذته ورأى مشهداً مذهلاً: على الرغم من أن الجزء الأكبر من الحديقة كان مغطى بالثلج، إلا أن هناك غصناً بديعاً من الزهور يشع بأزهار ذات ألوان مثيرة في منتصفها. وبجانب هذه الأزهار وقف الطفل الضئيل الذي أحبه العملاق.

وكان الطفل يبتسم ابتسامة عذبة. ورقص العملاق مرحاً، وأسرع الخطى لخارج لكي يحتضن الطفل ويقول له: ‘أين كنت طوال هذه السنين يا صديقي؟ لقد افتقدتك من أعماق قلبي’.

“كان الطفل حكيماً في جوابه إذ قال: ‘منذ سنوات عديدة رفعتني أعلى الحائط وأدخلتني حديقتك الساحرة. واليوم جئت لكي آخذك إلى حديقتي’.

في وقت لاحق من هذا اليوم عندما أتى الأطفال لزيارة العملاق، وجدوه مستلقياً على الأرض وقد فارقته الحياة وكانت آلاف الأزهار تغطيه من أخمص قدميه حتى رأسه.

“تحل بالشجاعة دائما أيها الغزاوي مثل هذا الصبي. تحل بالرحمة والقوة دائما أيها المصري. ثابر وسر خلف أحلامك فهي ستؤدي بك إلى مصيرك. تجاوز ذلك الجدار وارحم أطفال غزة وجوعاها ومرضاها وخذهم إلى حديقتك وسيأخذونك في الأخرى إلى تلك الحديقة حيث لا يوجد سواها أو جهنم.

وإذ نظرت لصديقي لكي أقول له إنني تأثرت كثيراً بالقصة، رأيت شيئاً أذهلني: فقد شرع هذا الصديق المناضل والصلب والمقاوم والشجاع. لقد شرع بالبكاء.

======

بتصرف عن “الراهب الذي باع سيارته الفيراري” – روبين شارما.

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

غزة واستمرار الحرب ضدها، ودورنا

4 يناير, 2010
12345 (3 صوت, معدل: 5.00 من 5)
Loading ... Loading ...

عام وأيام قليلة مضت على حرب غادرة مجرمة ومجازر وحشية لم تشهدها البشرية إلا قليلاً على قطاع غزة المحاصر والجريح بتواطؤ عربي ودولي سكت عن هذه الحرب وأيدها ضمناً واُتخذ القرار فيها غدراً بتأييد من محور الاعتدال كسراً لسيطرة حماس على القطاع بعد أن فشلت كل المحاولات السابقة لجرها إلى مستنقع السلام والخور الآسن أو محوها من الخارطة.

ليس هنالك من داع لشرح ارهاصات وظروف الحرب ومجازرها فحتى فاقد العقل يرى ببصره وبصيرته كيف تم التواطؤ وكيف استعد البعض لركوب الدبابة الإسرائيلية للعودة إلى القطاع المحتل من قبل فريق آخر بنظره! كل ذلك أصبح من الماضي الأليم وسيكتبه التاريخ ولن يرحم أصحابه أبدا كما قال ذات يوم أخي العزيز محمد إلهامي في تدوينته عن جدار الخائنين وأنا أكاد أشفق عليه من غضبه المتفجر وهو المكبل مثلنا لا يملك إلا صوته وقلمه ومدونته ولسان حاله يردد:

هيهات يا صاحبي آسى على زمن

ساد العبيد به واقتيد أحرار

وأكاد أقول له:

ومقام الكريم في بلد الهون

إذا أمكن الرحيل.. محال

حيث لا رافعا سيف من الضيم

ولا لكماة الرجال فيه مجال

في بلاد يذل فيها عزيز قوم

حتى يناله الأنذال

وأكاد أتخيل معه كيف بعد مئات السنين سيكتب المؤرخون هذه الحقية التاريخية المظلمة عندما تكالب عرب ومسلمون إخوة في الدم والعقيدة والجغرافيا.. كيف تكالب هؤلاء على إخوانهم وذبحوهم وحاصروهم ومنعوا عنهم الماء والغذاء والعلاج، ومنعوا عنهم كل قافلة مساعدة ومازالوا في خيانتهم وغيهم سادرين، في وقت يوجب عليهم كل منطق وكل قانون حتى شرائع الغاب التي لا أظنهم يرقوا لها، حتى هذه الشرائع توجب عليهم أن ينفروا خفافا وثقالا بكل ما أوتوا من قوة وسلاح ليدفعوا القتل عن إخوانهم والمجازر الوحشية بحق النساء والأطفال، لكنهم حتى أقل من ذلك لم يفعلوا وإن أفلتوا من عقاب الدنيا فأين هم من عقاب الآخرة الذي ينتظرهم فردا فردا عندما يقتص الله للشاة الجلحاء من الشاة القرناء .. فأين سيهربوا حينها .. أين!

كيف سأتخيل مؤرخا شبيها بابن كثير مثلا بعد حقب من الزمان سيكتب عن هذه الحرب عندما يقول.

ثم كان العام الثلاثون بعد الأربعمائة والألف من الهجرة النبوية المباركة وفيها شن الصهاينة الإسرائيليون حربا مدمرة ومجازر مروعة على أهل غزة قتلوا فيها الأطفال والنساء والرجال وهدموا العمران وأهلكوا الحرث والنسل وتواطأ معهم في ذلك ثلة من العرب والمسلمين ودعموهم وحاصروا أهل غزة وخانوا الله ورسوله في وضح النهار، واستشهد في تلك الحرب جمع من القادة والعظماء الكبار كالشيخ نزار ريان والقائد سعيد صيام وكم كبير من رجالات الأمة الشجعان الذين شهدوا وسيشهدون على خيانات كبرى من بني جلدتهم ودينهم!

أو كما قال أخي إلهامي:

يا لها من لعنة الله، ولعنة التاريخ، ولعنة أولادنا وأحفادنا حين يقرأون السبب، ربما لن يصدقوه، ربما ستسحقهم الدهشة، سيكوي كرامتهم الذهول، سيلعنوننا في قبورنا لو بقيت لنا قبور. إنه عصر يستحق أن يسميه التاريخ بحق “عصر العملاء” ويكتب فيه “وفيه استبد بالمسلمون أناس جبابرة خانوا الله ورسوله وباعوا الإسلام بثمن بخس وعملوا في خدمة اليهود والصليبيين أعداء الله حتى حاربوا معهم ضد المسلمين”.

الأنكى من كل ذلك هو المواقف الشعبية العربية من غزة على مستوى الفرد أو الجماعة سواء أثناء الحرب أو في ذكراها الأولى فكميات كبيرة منهم لم تسمع بها أصلا أو لم تتذكرها ولا يهمها أن يموت مئات الآلاف جوعا أو مرضا وهم على مسافات مئات الكيلومترات منهم فقط، سلبيون متقوقعون على ذاتهم ومتقولبون في أشكال خاصة وأبراج عاجية صنعوها لأنفسهم واستقلوا بها و “من ورائهم الطوفان” وكأنه ليس هنالك رابطة دم أو عقيدة أو لغة أو قومية أو جغرافيا وكأنهم لم يسمعوا بأنه “والله لا يؤمن من بات وجاره جائع” أو “من لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم”.!

ليس هذا فحسب فبعضهم يتخذ حتى موقفا عدائيا لا يمكن وصفه إلا بالصهينة عندما يتقرب إلى ربه ويحمده بأنه لم يتبرع للفلسطينيين أثناء الحرب –وهي ولله الحمد لن تصل لا دنيا ولا آخرة! – وأنه ولله الحمد لم يقنت ويدعوا لهم أيضاً. هكذا بكل وقاحة. ولن تصدق بأنه عربي ومسلم!!!

وليس هذا فحسب أيضاً.. بل بعضهم ينظر إليك بازدراء.. شذرا مذرا!! إن أنت أظهرت تعاطفك لغزة ولفلسطين عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعية المختلفة –حيث سلاحنا الوحيد- وربما يقطع كل اتصال بك ويتهمك بصاحب الفورة العاطفية العدو لبلده وشعبه ، “فاضي أشغال” ، مضيع لنفسه!! ولم يعد هنالك حياء ولا أدب ولا عروبة ولا دين وتكاد تدعو عليهم بأن يصيبهم الله بما أصاب الفلسطينيين أو تردد قول الشاعر:

ومن يدري..

إذا ما ضاق بي صدري

فقد أدعو من الغضبِ

عليكم أبها العرب

وأنوي يا بني ديني

فيلجمني ويثنيني

نداء في شراييني

ينادني هم العرب!

فأهوي ثم أنتحبُ

فاحمد سيد الدنيا

إليكم كان ينتسب.

وأحمد صلى الله عليه وسلم بريء منهم إن شاء الله عندما يُصدون عن الحوض!

وانظر إلى المفارقة العجيبة في الموقف من الحرب على غزة وقتها وفي ذكراها الأولى:

فالمتعاطفين والمؤيدين لغزة من الشعوب المسلمة غير العربية أكثر من الشعوب العربية!

ونسبة المتعاطفين لها من غير المتدينين أكثر من المتدينين من العرب!

ونسبة المتعاطفين معها من غير المسلمين أكثر من المسلمين.!

وكل راصد لحراك الإنترنت والشبكات الاجتماعية والحملات والمظاهرات حول العالم يلمس ذلك بقوة ووضوح، ويكفي أن نرى تلك القافلات التي تخرج من جميع أنحاء العالم لفك الحصار تضم أناساً من جميع الجنسيات الغربية ويتحمل أصحابها المشاق والخسائر.. يتركون أهلهم وأطفالهم وأرزاقهم وأعمالهم ويقطعون آلاف الكيلومترات جواً وبحراً وبراً من أجل أم قضايانا! ونحن ننام على بعد كيلومترات من فلسطين في فرشنا الدافئة وهم يموتون بحصار فرضناه عليهم بأيدينا! عار مابعده عار ! وخيانة في وضح النهار.

12093.imgcache[1]

هذه الخيانة التي تولى كبرها النظام المصري عندما لم يكتفي بمنع الغذاء والدواء ولو استطاع لمنع الهواء، بل شرع ببناء جدار تحت الأرض!! وهو كما قال أخي محمد إلهامي:

والآن فعلنا مالم يفعله أحد من الأولين والآخرين .. الآن نبني جدار فولاذيا تحت الأرض!!

جدار فولاذي .. وتحت الأرض!! من في الدنيا وفي التاريخ سمع عن بلد أرادت أن تحمي نفسها من عدو، فبنت جدار فولاذيا تحت الأرض.. ياللعار، بل يا للخيانة والعمالة والدياثة .. مصر تبني جدارا فولاذيا وتحت الأرض لتحمي نفسها!!

هل ألفاظ العجب والدهشة تكفي لوصف هذه الفضيحة غير المسبوقة؟

القصة نفسها مذهلة، ولا أحسب أن أحدا من خبراء العسكرية خطر بباله أن دولة قد تضطر لحماية نفسها بأن تبني جدارا فولاذيا تحت الأرض!

رحيل العظماء

في مثل هذه الأيام قبل عام ادعى مجموعة من المنهزمين والمتواطئين أن حماس تخبئ قادتها وتترك شعبها يُقتل، ولم يتأخر الرد الإلهي على مثل هؤلاء حينما ارتقى في مجزرة بشعة وفي فداء عظيم الشيخ الدكتور نزار ريان وتسعة عشر فرداً من عائلته بقصف إجرامي لمنزلهم في جباليا في تضحية كبرى لم يسمع بها أحد منذ عقود ، منذ مجارز النكبة عام 1948 بل وربما لم تتكرر تلك التضحية إلا في مدينة حماة السورية عندما ذبح مئات من أفراد عائلة واحدة وهي عائلة الكيلاني العريقة!

سعيد صيام في مرج الزهور

ثبت الشيخ نزار في منزله ورفض كل الدعوات للمغادرة عندما علم أنه إذا هزم وضعف وجبن كبير القوم وسيدهم وقائدهم فسيفر بقية السكان من منازلهم وسيتحقق مراد الصهاينة بتهجير آخر.. فصبر وصبر معه القوم ورأوا رأسه يسحق ويفتت في سبيل ربه بمنزله وأطفاله ونسائه يقطعون إرباً إرباً فهانت أنفسهم في عيونهم وثبتوا في منازلهم وخرجوا زرافات في جنازته تحت هدير الطائرات التي تقصف في كل مكان مجددين الولاء والبيعة يحملون على أكتافهم عائلة كاملة بأطفالها ونسائها ورجالها، فكان استشهاده وتضحيته انتصارا للفلسطينيين وفشلاً للإسرائيليين وهذا هو طريق المقاومة والتحرير.

لم يمض سوى أسبوعين حتى تقدم إلى مذبح الشهادة والحرية والمقاومة قائد معركة الفرقان الشيخ سعيد صيام الوزير المتواضع والمؤمن المجاهد وقضى هو وأفراد من عائلته في قصف آخر، فثبت الناس أكثر واحتضنوا المقاومة بشكل أكبر وارتد الخونة على أعقابهم ناكسين.

GFM_HMACT3[1]

الشيخ سعيد صيام الوزير المتواضع والنظيف الذي يذكر بعض مرافقيه أنه توقف في دولة عربية في طريقه إلى دولة أخرى وبدل أن يسكنوا في فندق انتظارا للرحلة القادمة قال لهم، لماذا نسرف ونضيع آلاف الدولارات استئجارا لفنادق لسنا بحاجة لها وشعبنا أول بهذه الاموال فلننتظر بالمطار واستلقى على الكراسي الحديدية وغفا! فهؤلاء لن يهزموا وان تمالأت عليهم كل الأنظمة.

تلك الحرب وفي أيامها وفي ذكراها الأولى مازلت أذكر كيف ألجمتني تماما عن كل شيء حتى فقدت الرغبة في كل شيء.. في العمل.. في الكتابة .. في التدوين.. وما هذا الترف الجائح مقابل الدماء التي تسيل أنهاراً هناك!! منذ يوم مشاهدتي للشرطة المدنية أشلاءا وجثثا على الأرض.. منذ ذلك اليوم الذي دق قلبي فيه بعنف.. ومازلت أعاني من ذلك حتى الآن بين فترة وأخرى! واكتفيت حينها بمتابعة ونشر الأخبار منطويا على حزن وعجز شديد.. وما يجدي الكلام!

تلك الأيام أدركت رغم كل شيء أن نفس العدو قصير وسيتوقف في النهاية مهما بالغ في الوحشية وسيخفي حتما خسائره، لكن كل همي كان هو كيف سيفك الحصار وكيف ستعمر غزة من جديد وكان خوفي أن نعود للمربع الاول مربع الحصار والجوع وفوقه الدمار والخراب والدماء، وهذا ماتحقق فعلا عندما تواطئ العرب مرة أخرى ودائماً بإحكامهم للحصار والضغط سياسيا على قيادة غزة وتنفيذ أوامر إسرائيل بكل طاعة واحترام وتهذيب.

rJE76632

هنا نجيء لنوع جديد من مماليء الأعداء وأصحاب الذل والقرف من بني جلدتنا بل وحتى ممن يدعون “الإسلامية” عندما نفوا أن غزة انتصرت.. وكأنهم لا يعقلون! وكأنهم بحاجة إلى الرجوع إلى الصفوف الأولى لكي نعلمهم المنطق والعقل والأدب!

فحين تكون القوتين متساويتين كما ونوعا وحين نتحدث عن جيشين بتواجهان بنفس الإمكانيات ونخلص إلى نتيجة الحرب هذه، نقول بالفعل إن غزة وحماس هزمت وإن إسرائيل انتصرت، لكن الذي حدث خلاف ذلك عندما تقارن جيش من اقوى الجيوش في العالم بكل عتاده وبكل قوته الجوية التي ألقت آلاف الأطنان من القنابل والأسلحة المحرمة على غزة مقابل مجموعات مقاومة لا تحمل سوى الرشاشات والمتفجرات والصواريخ البدائية. حينها نقول بكل بساطة إن غزة والمقاومة انتصرت أعظم انتصار عندما أوقفت بهذه القوة الضئيلة جيشا من أقوى الجيوش وأحدثها عن التوغل في غزة وأجبرته على الانسحاب وسط صمت دولي مخزي.

بل وأكثر عندما أفشلت تحقيق كل أهدافه التي وضعها وأهمها تحرير الجندي الأسير أو حتى مجرد معرفة مكانه أو ايقاف الصواريخ التي لم تعرف أماكنها أو إبادة المقاومة التي لم تتأثر كثيراً أو إسقاط حكم حماس الذي قوي أكثر.. فمن انتصر بعد ذلك يا أغبياء؟

والآن الحصار يزداد، وجدار خياني فولاذي يبنى تحت الأرض وحملات متكررة لإغاثة غزة تمنع وتطرد من إسرائيل ومن عملائها وعبيدها!

أزمة الخطاب الديني

كل تلك المشاكل والمصائب لم تكفي حتى أتى ما يثبت أننا لا نعاني فقط على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي.. بل أيضا على الصعيد الديني وخطابه المتأزم والذي يحاول البعض أن يجمله ويظهره بحسن نية أو بسوءها بأنه متقدم وصحي وفعال ولا يعاني أي مشكلة ما! وكأنه أو كأننا لا نعيش سويا على هذا الكوكب أو في هذه المنطقة!

لقد جاءت فتوى مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر حول شرعية ووجوب الجدار الفولاذي الخياني مع قطاع غزة كوسيلة فاضحة لتجويع الشعب هناك وضغطا على حماس وخدمة لإسرائيل وتنفيذا لأوامرها ليؤكد إرتكاس هذا الخطاب الديني السلطوي لأدنى وأسوء مرحلة يعيشها منذ قرون. وصدق من قال “إن الاستبداد الديني مظنة الاستبداد السياسي” طالما أن هنالك نفر من هؤلاء “العلماء” يفتون بأمر السلطان والحاكم وما يقبضون منه افتقارا لشرعية أو لأي استقلال. فعن أي خطاب ديني سليم نتحدث بعد ذلك! وبعد أن اثبت فشله في محافل وأحداث وقضايا كثيرة تولى كبرها شيخ الأزهر وأتباعه وأيضا علماء سلطة آخرون في دول عربية وإسلامية عديدة!

ورحم الله من قال:

“وموازين القدماء تجعل الاستقلال عن الحكام عنوان شرف وعز والتبعية لهم: قرينة مذلة”

gaza1

أعمالنا وأضعف الإيمان

إذا كنت مكبلا وليس لديك غير هذه الوسائل الإلكترونية، فبإمكانك أن تدون وأن توقع على عرائض موجودة وان تسمع صوتك وتبرئ ذمتك كثيرا مما يحصل. إذا كنت تستطيع أكثر من ذلك فتظاهر إذا كان مسموحا هذا في بلدك أو إلتحق بأحد الحملات التي تتوجه إلى غزة وأهمها حملة الحرية في شهر مارس والتي سوف يقودها الرئيس الجنوب أفريقي الأسبق الزعيم نيلسون مانديلا والرئيس الفنزويلي هوغو شافيز.

ولا تنسى مع كل هذا التبرع لإخوانك هناك بأي طريقة تجدها ثقة ومضمونة وأضعف الإيمان وهو الدعاء المتواصل لهم بالنصر وفك الحصار.

تفاصيل حملة للتوقيع على عريضة قانونية ضد الجدار الفولاذي.

حملة الحرية في شهر مارس لك الحصار عن غزة. (كن مؤيدا لها)

الانتفاضة الإلكترونية

المركز الفلسطيني للإعلام

حملة الحربة لغزة

غزة حصاد عام من العدوان

خارج السياق:

للأعزاء المتابعين والمهتمين حللت ضيفا في مدونة الاخت الفاضلة فوز بتدوينة بعنوان “بين أرائك القرآن ومجالسه” وأشكرها جدا على ثقتها وتعاونها.

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

مشروع أوريون للسفر إلى زحل والمشتري

28 ديسمبر, 2009
12345 (3 صوت, معدل: 3.67 من 5)
Loading ... Loading ...

ما أجمل أن نعمل وننهمك في هذا العمل، ثم نأتي بعد ذلك لنتحدث عن هذا العمل فرحين بطعم الإنجاز وإن كان صغيرا أو ضئيلاً ولا يستحق الفرح أو المفاخرة.. لكن كل ذلك أفضل من التنظير والثرثرة وطرح النظريات ورفع الشعارات بلا عمل أو تحرك.. وما أسهل الكلام.

منذ أسابيع انتهيت من ترجمة إحدى محاضرات مؤتمرات تيد TED الشهيرة والتي تطرح فيها العديد من الأفكار الخلاقة والمبدعة والإنجازات العظيمة حول العالم.

تلك المحاضرة كانت تتحدث عن مشروع أمريكي قديم في ستينات القرن المنصرم للسفر بمركبة عملاقة إلى كوكبي زحل والمشتري وتضمن كشف العديد من الوثائق والصور والمعلومات بواسطة جورج دايسون والذي عمل والده في هذا المشروع.

لن أتحدث أكثر بإمكانكم مشاهدة الفيديو مترجما من قبلي إلى العربية في الأعلى أو بواسطة هذا الرابط.

كانت هذه هي التجربة الأولى لي في الترجمة وكانت منهكة بحق خصوصا مع المصطلحات والحديث العلمي البحت ، وأشكر الاخ أنور دفع الله الذي تكفل بمهام مراجعة الترجمة والتعريب.

كما أشكر الأخ البراء العوهلي المبادر بفكرة TEDx Arabia والذي التقيت به منذ أيام في الرياض مبشراً بتيد العربي وفعاليات قادمة محمسة فإلى الأمام :)

القادم أفضل إن شاء الله وكنت لم أجد الوقت إلا الآن لأخبركم بهذه الترجمة هنا في هذه المدونة، لكنني أخبرت العديد بوسائط أخرى :) ، ولعلنا نلتقي في ترجمات أخرى.

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

العيد والقرية: صور وخواطر

27 نوفمبر, 2009
12345 (1 صوت, معدل: 5.00 من 5)
Loading ... Loading ...

IMG_2913

- الجزء الأول من الموضوع : يوميات العيد الريفية:حيث النقاء.

ليلاً ونحن ساهرون قال لي (فرغلي) أحد أصهار الشيخ: هل تعلم أنه من هذه القرية المغمورة خرج في ثمانينات القرن المنصرم 20 شخصا أو أكثر باتجاه أفغانستان للجهاد ضد السوفييت مع إخوانهم هناك، ومنهم من استشهد ومنهم من عاد ولن يبدلوا بإذن الله.

تعجبت جدا من هذه العاطفة الفوّارة التي تغلف أغلب شعوبنا العربية والإسلامية وأفرادها وهي حسنة محمودة إن وجدت من يقودها ويوجهها بالمسار الصحيح فتثمر انتصارات وانجازات إن ظهر ذلك العقل القائد المدبر الذي يقدح الزناد ويقود من نصر إلى آخر.

وهذا يعيدني أيضا إلى النقطة التي ذكرتها في الجزء الأول بان الشعب السوداني بعامته مثقف متابع للأخبار والشؤون السياسية، بل مسيّس حتى بقروييه وأريافه وأفراده، فترى الجميع حتى الفقير المعدم يمسك بيده اليمنى راديو أو “ترانزستور” يضمه إلى أذنه أينما ذهب يستمع به إلى المحطات العالمية وآخر الأخبار والمستجدات جاعلا شعاره: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم” على عكس الكثير من السلبيين الذين نعايشهم.

أتذكر في تلك السنوات أني دخلت بيتًا قديمًا في إحدى الضواحي الأخرى القريبة من الخرطوم، فلم أجد من الكتب على إحدى الرفوف سوى “في ظلال القرآن” للشهيد سيد قطب رحمه الله. قلت سبحان الله، هل كان يدرك السيد الشهيد أن يصل علمه وقلمه إلى تلك البقاع المجهولة والبيوت الفقيرة!

IMG_2910

صحونا لصلاة الفجر وذهبت إلى الوضوء وتأملت السماء الصافية المليئة بالنجوم والشهب والكواكب في مشهد نادر يحرم منه ولا يراه أبدا ابن المدينة الصاخبة والمشعة بالأنوار الاصطناعية! كان الجو بارداً في ذلك الشهر والماء بارداً مما زاد المعاناة لأسرع بخطاي إلى المسجد.

عدنا بعد ذلك نتجهز لصلاة العيد في الميدان الكبير، وهناك وإتباعاً للسنة خصوصا في الأرياف والقرى لا تؤدى صلاة الأعياد إلا في الميادين العامة والأرض الخلاء مما يعطي معنى مبهج ومختلف للعيد ولصلاته.

مشينا في الطريق الترابي وبمحاذاتنا البيوت المتواضعة وبعض المدارس وهنالك محطات كهرباء أنشئت حديثا لخدمة أهل القرية، كل شيء كان يبتهج وكل وجه كان يبتسم بفرحٍ مشروع وفطري رغم الفقر وقلة ذات اليد. إلا أنه العيد الذي يتساوى فيه الجميع بالبهجة والفرح والتكافل والعطف والرحمة.

امتلأ المصلى بسكان القرية بملابسهم البيضاء وبأطفالهم الصغار، كان مظهرنا كغرباء عنهم بالإضافة إلى مرافقتنا للشيخ ياسر ومن موقعه المحترم، كان ذلك زيادة في لفت الأنظار لنا والاهتمام وإظهار الاحترام والسلام والترحيب كعادة أولئك الفطريين بالترحيب بالغريب والحفاوة به.

لم ينس الشيخ ياسر أن يجعلنا نسلم على “الخليفة” وهو شيخ طريقة صوفي يتزعم القرية روحيا ودينيا فينادونه “بالخليفة” وهذا منتشر في اغلب القرى والأرياف السودانية، وهذا الخليفة لا يحتاج للكثير حتى يُعرف فهو مميز بلباسه الأخضر وعمامته الكبرى وبالأتباع الكثر من حوله من تلاميذ ومساعدين ومريدين بالإضافة إلى ذلك العلم الأخضر الكبير الذي تزينه عبارة الشهادة والتوحيد.

ومنصب الخليفة هذا تتوارثه ذرية معينة أبا عن جد، وكما أذكر فإن خليفتهم الأول كان من يدعى بـ ” العارف بالله إدريس ود الأرباب” ويوجد مسجد باسمه هناك كما أن مقامه موجود في مقبرة القرية والذي حرصنا على زيارته، على الأقل كان ذلك لي من باب الفضول خصوصا بعد أن أدينا الصلاة على أحد الموتى –وذلك بعد صلاة العيد- وقد رأيت من مظاهر التكافل والتعزية والدعاء للميت ومرافقة أهله مالم أره في أي مكان آخر، فهم معروفون بهذا التلاحم الإجتماعي العجيب والذي يراه البعض ربما مبالغا فيه.

في طريق عودتنا من مصلى العيد إلى منزل الشيخ ياسر –المسافة حوالي 500 متر تقريبا- شاهدنا أجمل مظاهر العيد في صباحه الأول هنالك بحق، الأطفال يلعبون بتلك الألعاب البدائية والشعبية المتوارثة بأقصى الفرح والسرور، أمام كل منزل تجد رب العائلة يقوم بنحر أضحيته تقربا إلى الله عز وجل، والكل حريص على ذلك مادام قادراً ليتصدق لغير القادر بلحمها وعظمها وجلدها.

نحر الشيخ ياسر أضحياته وبدأت مراسم إعداد الفطور الصباحي الشهي بمختلف الأصناف، ما أثار اعجابي ودهشتي هنا هو ذلك الكرم الكبير جدا بحق! كرم لا يضاهى ولا حتى بحاتم طيء! ولم أجده حتى في العاصمة..!

كانت الوجبة تُرفع من أمامنا لتأتي فوراً وجبة أخرى خفيفة أو شيء من “الحلى” أو موالح أو “تسالي” وهي المكسرات والمقرمشات، ولا أنسى العصير بأنواعه والمشروبات الساخنة والباردة وأشياء أخرى!

باختصار الموائد لم تكن تتوقف ولا لساعة واحدة بمختلف أشكالها منذ الفجر إلى ما قبل النوم وهذا ما أخجلنا بشدة وطالبنا الشيخ بأدب واستحياء أن لا يبالغ في هذا، فيرد علينا ضاحكاً بأنها “أيام أكل وشرب” ويحرص على الأكل معنا ومشاركتنا في كل شيء تشجيعا لنا!

اليوم الثاني للعيد كان يوم جمعة وكانت فرصة أن يخطب الشيخ عدنان اسكندر رحمه الله بالمصلين ويحدثهم عن أوضاع العراق ومأساته التي كانت في ذروتها آنذاك ولطالما تحدث الشيخ بهذه الأحاديث والقصص مع زوار الشيخ ياسر الذين كانوا يأتون زرافات ووحدانا ليتعرفوا على هؤلاء الغرباء الذين وطئوا قريتهم مؤخرا.

كان المفترض أن تدوم إقامتنا لليوم الثالث، لكني لم أعد أستطيع احتمال بضعة ظروف قهرتني أنا المدني في تلك الأجواء الريفية، فرغم حبي لهذا المكان وسعادتي بالعيد فيه، إلا أن عدة قضايا كان من أهمها “دورة المياه” عجلت برحيلي أنا خصوصا فكل ما هنالك فيها عبارة عن غرفة ضيقة خارجية أرضها تراب وبه حفرة ضيقة! وهذا مالم أستطيع التعامل معه أنا أبداً ولم أحاول بالأساس.

أخبرت الشيخ عدنان والأخ مروان بأنه ينبغي أن نعود وأن لا نطيل أكثر من ذلك، وبالفعل ورغم إلحاح المضيفين خرجنا بعد عصر اليوم الثاني شاكرين لهم حسن الضيافة والكرم وتلك السعادة الفطرية التي أشع به علنا هؤلاء القوم فملئت أرواحنا عيدا لا تزول ذكرياته، وحرص الشيخ ياسر بجلالة قدره كله على الخروج معنا مشيا وبمسافة طويلة إلى الشارع الرئيسي ليوقف لنا احدى مركبات أهالي القرية (سيارة نصف نقل) لنجلس في حوضها الخلفي المكشوف وأحدق في تقاسيم الشيخ عدنان رحمه تلك النظرات الأخيرة بعد أن ودع هذه الفانية إلى حيث الفوز الكبير.

كان الشيخ عدنان رحمه الله يحرص على تسجيل وتصوير كل شاردة وواردة لكن للأسف الشديد أخذها كلها معه إلى بلده ولم أظفر بشيء من شوارد هذه الرحلة النادرة التي اقتصرت في سردها على ذاكرتي بعد أربع سنوات، لعل وعسى نجحت في نقل شيء من تلك الصورة الوضيئة حيث العيد الحقيقي والفرح الأصيل بما شرع لنا الفرح لأجله.

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

يوميات العيد الريفية:حيث النقاء

27 نوفمبر, 2009
12345 (1 صوت, معدل: 5.00 من 5)
Loading ... Loading ...

ملتقى النيلين - الخرطوم

كان اليوم هو يوم عرفة.. وكان العام هو 2005 وكان المكان هو السودان.. حيث كنت على وشك التخرج من مرحلة البكالوريوس حين اتصل بي في ذلك اليوم الأخ العزيز مروان وعرض علي الذهاب معه ومرافقته مع الشيخ عدنان إسكندر رحمه الله أيضًا إلى أحد أرياف الخرطوم العاصمة، وهي قرية تدعى “العيلفون”، لنفطر هنالك سوية ونقضي أيام العيد وذلك في منزل الشيخ ياسر عثمان جاد الله النذير – أحد الرجال النبلاء والزعماء في محيطهم ومجتمعه- ونرجع بعد ذلك إلى دراستنا وأعمالنا.

رحبت بالفكرة فوراً، نظراً لرغبتي بالخروج من الجو الروتيني الممل والكئيب الذي أقضيه كل عام في هذا العيد الكبير وللتحمس بتجربة شيء جديد ومجهول لم أخض غماره من قبل.

توجهت عصرا إلى موقف الحافلات المزدحم والمتوجه بمركباته إلى ولايات السودان المختلفة حيث يعود أغلب قاطني العاصمة إلى قراهم وبلداتهم لقضاء العيد الكبير بين أهليهم وقد اخبرني الشيخ ياسر الذي استضافنا لاحقا أن عيد الأضحى يحرص فيه كل مواطن وكل عائلة على السفر إلى أهليهم بعكس عيد الفطر الذي يمكثونه غالبا في بيوتهم.

التقيت بالأخ مروان وبالشيخ عدنان رحمه الله واستقلينا الحافلة المتوجهة إلى “العيلفون” حيث تبعد مابين 20 إلى 30 كلم كما أذكر وربما أكثر من ذلك بقليل، وللمفارقة قلت لمروان ونحن بالطريق، أفكر أن أكتب انطباعاتي ومشاهداتي عن هذه الرحلة النادرة، وها أنا اليوم لم أفعل هذا إلا بعد أربع سنوات من حدوثها ومن ذاكرتي فقط لا من شيء آخر مكتوب!

كان الطريق زراعياً في أغلبه وعلى الجهة اليسرى كانت هنالك آثار بائدة لمملكة “علوة” و عاصمتها “سوبا” المسيحية في أيام خلت والتي أزالتهما مملكة “الفونج” الإسلامية التي كانت عاصمتها سنّار جنوبي العاصمة الخرطوم وذلك عام 1504 ميلادي. وآثار الحرب لا زالت بادية هناك من أبراج وحصون وقذائف قديمة. وأدت هذه الحرب إلى تخريب سوبا تماما وإزالة المسيحية من هذه المنطقة.

في النهاية كان هنالك مفترق طرق لاتجاهين أحدهما يذهب للعيلفون والآخر لقرية أخرى تدع باسم غريب وهو “أم ضوً بان” ! لما سألنا لاحقا عن معنى هذا الاسم شرح لنا الشيخ بأن هذه القرية تشتهر بحفظة القرآن والخلاوي المعروفة التي يجتمع فيها القراء لشهور طويلة ليلا ونهارا لحفظ كتاب الله، فكانوا يتحلّقون ليلًا ويشعلون النار في المنتصف لكي يقرأون على ضوئه وهكذا في بقية الحلق والخلاوي، فمن يمر بالطريق ليلا حينها سيرى تلك الأضواء النورانية مجتمعة كخلايا ومجموعات متفرقة ويسمع معها أزيز تلاوات الحفظة ومن هنا جاء الاسم : “أم ضوء بان” أو “أم ضواًبان”

626200832325PMDSC01462_fmt

وصلنا قبل أذان المغرب بدقائق وتوجهنا فورا لبيت الشيخ الفاضل ياسر جاد الله الذي رحب بنا أكبر ترحيب وأكرمنا أعظم كرم مما يشتهر به السودانيون ووجدنا ما لذ وطاب من طعام معروف ومشتهر وكذلك مما يختص به أهل المنطقة وذلك بحضور جمع من ضيوف الشيخ من وجهاء القرية و(أضواتها) :)

دارت أحاديث مختلفة ومتنوعة وطويلة بعد الإفطار إلى وقت خلودنا للنوم، الشعب السوداني مثقف بعامته فكيف بنخبه؟! وكان الشيخ يمتلك مكتبة قيّمة وغير ذلك له مؤلفات ومحاضرات بحكم منصبه ومسؤولياته، وكان الأخ مروان قد أخبرني أن الشيخ خطب عيد العام الفائت بأهل القرية فكانت خطبة جديدة غير تقليدية عليهم وأحدثت أثرا وتغييرا كبيرا في أفهامهم وتفكيرهم رغم انه ابن لهذه القرية التي يغلب عليها كعامة أرجاء السودان – الطابع الصوفي الساكن، فجاءت خطبة الشيخ لتبث الروح والحركة في هذه القرية، وهذا ما أثار البعض عليه فآثر الابتعاد هذا العام ولم يخطب العيد درءا لفتن لا تحمد عقباها.

الشيخ ياسر عثمان جاد الله

هذا ما يعيدني هنا إلى الصراع بين التقليد والحداثة، بين الجديد والقديم، بين السكون والحركة، بين البقاء والتغيير.. دائما ما يسبب هذا الصراع آثار جانبية مميتة أحيانا وتكون المفاسد أكبر من المصالح فيؤثر أهل التجديد الابتعاد ولو مؤقتا ولعل في هذا حكمة في عدم استفزاز الناس وإثارة “عش الدبابير” بلا أي داع.

لكن في المقابل ينبغي عدم السكون بداع هذه المبررات وإبقاء الأوضاع على ما هي عليه، وإنما البحث عن سبيل أفضل وطرق أكثر حكمة لتحقيق الاهداف التغييرية المنشودة.

الكثير أخبرني بأن العيد في الأرياف والقرى له طعم خاص ولذيذ بتلك النفوس الصافية والفطر السليمة التي لم تتلوث بشوائب المدينة والمدنية المزعجة، وهذا ما لمسته بنفسي صباح ذلك العيد الجميل. وليس المعاين كالمخبر.

استيقظنا لصلاة الفجر في يوم العيد وصلينا مع الشيخ  والأصحاب وأقاربه في المسجد المجاور ثم عدنا إلى المنزل نتجهز لصلاة العيد، حيث لمست العديد من المعاني والمشاهد الجميلة، التي سأرويها لاحقا إن شاء الله.

(يتبع)

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

الوجه الآخر للإعلام الجديد: فورت هود نموذجا

9 نوفمبر, 2009
12345 (4 صوت, معدل: 4.25 من 5)
Loading ... Loading ...

fort-hood-shooting-txdam109jpg-f994e167e21072cb_large[1]

هل يُكفى أن يُقال لنا “إعلام جديد” و “صحافة المواطن” و “مدونون ومدونات” لكي تتداعى إلى أذهاننا صورة نمطية تمثل كل معاني الطهر والحقيقة والصدق الذي يقابله “الزيف” و”الكذب” و”المكر” المتجلي في الصحافة والإعلام التقليدي؟!

هل يكفي هذا بحق؟ وهل هذا صحيح من أصله؟ هل كون أن نتلقى أخباراً من تويتر أو من مدونات أو من فيس بوك يعني أنها صحيحة والثقة فيها على أشدها وقوتها؟! هل مدون = ملاك طاهر؟! وهل هذه الأخبار تراعي جميع الأخلاقيات والخصوصيات المفترضة؟!

لا بأس، فيكفي أنني استوعبت الصدمة مبكراً وزالت عني هذه المعاني الزائفة منذ قديم عندما كتبت عن المدون الذي يناصر الدكتاتورية في زمن مضى، وليس هذا بمستغرب فالتدوين والإعلام الجديد وكل فروعه عالم كبقية العوالم الأخرى فيها الجيد والسيء والصالح والطالح، والخيّر والشرير، وهنالك من يدعم الظلم والطغيان، وهنالك من ينشر الأكاذيب وهنالك من هو دخيل على هذا العالم أصلا ولا يتقيد بآدابه وأخلاقه، وهنالك من تجنده الحكومات أيضا، ولعل كل ذلك يدعونا من جديد إلى أن نغيّر النظرة التي ربما يتبناها البعض حول “حلولية” الإعلام الجديد مكان الإعلام التقليدي كبديل كامل إلى نظرة أكثر واقعية ومنطقية وهي أن هذا الإعلام الجديد هو نوع مكمل للإعلام التقليدي ومصحح له بل وحتى مستفيد منه ويحاول سد الثغرات والمرور على القضايا والأحداث التي لا يتلفت لها هذا الإعلام التقليدي.

وهذا ما يقودنا إلى أن الإعلام الجديد مازال جديداً ووليدا يحتاج إلى الرعاية والعناية والصقل كي يتجاوز عثراته واستخداماته الخاطئة ونواقصه الكثيرة.

ما أثار هذا الكلام وهذه القضية هو ما نشره المحرر في تيك كرنش TechCrunch باول كار Paul Carr حول تعامل الإعلام الجديد مع قضية قاعدة فورت هود العسكرية في تكساس عندما أقدم الميجر نضال مالك حسن على قتل 13 من زملائه وجرح آخرين من سلاحه قبل أن يصاب بجراح خطيرة، حيث وبحسب كار أن أولى المعلومات عن هذه الحادثة لم تأت من خبراء ومحللين أو بيانات رسمية أو حتى مدونات لعسكريين –حيث فرضت رقابة شديدة على القاعدة وعلى أخبارها- ولكن من حساب تويتر لجندية تعمل في تلك القاعدة العسكرية وتدعى “تيارا مور” –وهو بالمناسبة حساب محمي لا يقبل الإضافة!

هذه الجندية كانت ترسل بالأخبار والصور من داخل المستشفى الذي كان يُعالج فيه المصابون ومنها كانت تأخذ بعض المواقع والمدونات هذه “التويتات” وتنشرها، علما بأنها لم تكن مجرد اخبار ولكنها خليط من وقائع وآراء وحنق وغضب وأكاذيب وعنصرية أيضا أو كما وصفها كار بأنها bullshit ! أو أنها لا تساوي قيمة “البتات” التي كتبت بها!

كار اتهم تلك الجندية بالأنانية واللاإنسانية عندما انشغلت عن مساعدة الجرحى وزملائها، بالتصوير والكتابة في تويتر ولم تغلق هاتفها المحمول في المستشفى كما تنص الآداب على ذلك ولم تراع حتى حرمة الجرحى بتصويرهم! في خرق واضح وصريح ومحرم لخصوصيتهم!

ندى آغا سلطان

كار وفي لغة تشبه نعي “صحافة المواطن” يستاء جدا في مقاله هذا من هذه الصحافة التي أصبحت تخرق خصوصية الناس بشدة، لا تأبه بهم، ولا تساعدهم، أصبحت ضد الإنسانية بقوة، وفي نفس الوقت لا تقدم اي تغيير يذكر في هذا العالم، وهنا استعاد لحظات الانتخابات الإيرانية وكيف أن كل الثورة التي حدثت لها بتويتر ويوتيوب وفيس بوك وغيرها من وسائل الإعلام الاجتماعي لم تغير شيء ولم تزل أحمدي نجاد من السلطة، فيما بقيت المشاهد الأخيرة لندى آغا سلطان وهي تستنجد صامتة بـ” الصفحي المواطن” الذي يصورها ببرود تام ودون أي فائدة لتلفظ أنفاسها الأخيرة دون أي مساعدة منه!

هذه الطريقة في تعامل الإعلام الجديد الأنانية ونقله للأخبار عن هذه القضية بهذه الطريقة عزز قناعة وليام كار بأن الإعلام الجديد لا يستطيع التعامل مع الحقائق ونقلها بنضوج كافي وليس لديه احترام للخصوصية و لا للمعايير الأخلاقية الإنسانية ، وهذا ما عبر عنه كار في مقالات أخرى على تيك كرنش نفسها حول انتهاك خصوصية مواقع المواطنين، وتصوير المآسي ونقل وقائعها بالجوال وبتلذذ كبير، وأيضا حول الضجة التي أثيرت عندما اتهم أحد الصحفيين شركة ياهو بإعطاء السلطات الإيرانية أسماء وإيميلات مئات الألوف من المدونين.. وغيرها

ولعل المنظر الذي يثير التقيؤ والذي انتقده باول كار في مقاله عن أولئك الذين ينتزعون أجهزتهم المحمولة  و يقومون بتصوير المأساة ونقل وقائعها ومشاركتها مع الأصدقاء بتلذذ كبير وأنانية مفجعة بينما الضحية تموت او تحترق أو تغرق او الممتلكات تتدمر بدلا من محاولة إنقاذه أو إنقاذها أو الإتصال على الجهات المختصة، لعل ذلك المنظر هو المتكرر كثيرا وفي بلداننا العربية أيضا، يكفي أن تمر بحادث أو مأساة لترى الجوالات قد اصطفت بجانب الرؤس الفارغة وكل يصور او ينقل مايجري على تويتر أو الفيس بوك وكأننا في مسرحية أو ملهاة! مما يثير التساؤل حول أخلاقيات وأهمية توثيق الأحداث هذه بدلا من المساعدة في إنقاذ الأرواح وحفظ الممتلكات!

وهنا يجب أن أشير إلى أن سوء الظن بالأمريكيين المسلمين كان قديما يتلبس المواطن الأمريكي في إعلامه التقليدي الوحيد آنذاك منذ حادثة أوكلاهوما عام 1996 قبل ان يتبين أن من فعلها هو المتطرف الأبيض تيموثي ماكفاي اعتمادا على صورة نمطية سابقة عن محاولة  تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993 بواسطة رمزي يوسف والفرق هذه المرة أنه انتقل إلى الإعلام الجديد مما يدل على أن العرب والمسلمون لم يفشلوا بالإندماج لكن الأمريكيين هم من فشل في تقبلهم كمواطنين متساويين لهم حقوق وعليهم واجبات، وإن كانت هنالك استثناءات –رغم كل تشويهات قناة فوكس نيوز المتطرفة- عندما دافع الدكتور فيل على السي إن إن عن محاولة إيعاز سبب جريمة فورت هود إلى أن نضال مالك حسن من أصل مسلم!

ماذا عن أمثلة عربية مشابهة لكيفية تعامل إعلام المواطن مع حادثة فورت هود في أمريكا؟

يوجد الكثير حقيقة وإن كان ليس بارزا كفاية كما برزت حادثة فورت هود (تغطية تويتر لأحداث الإنتخايات الإيرانية لا زال يشوبها الكثير من اللبس واللغط وعلامات الاستفهام الكبيرة)، ومن يطالع تويتر والفيس بوك وبعض المدونات يدرك أن البعض أساء لأدوات الإعلام الجديد هذه بتحويلها إلى منابر رسمية للإعلام التقليدي الحكومي نقلا عنها في تناول ومعالجة بعض القضايا الساخنة فضلا عن الكذب الكثير الذي شاب بعضها وعدم التدقيق في المعلومة، ولعل لي تجربة في هذا أثناء حرب غزة الأخيرة وفي كيفية استخدام تويتر من الجانبين لنقل وقائع وأحداث الحرب وما شاب ذلك من أخطاء وإعلام مضلل وعدم التدقيق في بعض المعلومات استعجالا وسعيا للسبق الصحفي.

Illusion_of_Change_by_hamoud[1]

الإعلام الجديد وأدواته عبارة عن آلات محايدة يمكن لأي كان استخدامها كما يشاء، ولعل حريتها وانفتاحها والتي كانت سببا في نجاحها، أظهرت ايضا الوجه الآخر لها من خرق للخصوصيات وعدم  مراعاة الأخلاق الإنسانية والبشرية، والأنا الكبرى التي تتملك الشخص عندما يفضل تصوير وتوثيق حدث ومشاركته على احترام خصوصية صاحب الحدث أو مساعدته أو الإسهام في إنقاذ ضحاياه، ولعل الإعلام الجديد إن لم يتقيد بوثيقة شرف وأخلاق تضبطه فسنرى الكثير من الأحداث المؤلمة التي سيساهم الإعلام الجديد وأدواته في زيادة ألمها وكارثيتها والأنكى أنه لن يفعل شيء مفيد في خدمتها أو تغيير إيجابي لصالحها.

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

مصطفى محمود وثلاثية الثورة العقلية

2 نوفمبر, 2009
12345 (6 صوت, معدل: 4.00 من 5)
Loading ... Loading ...

b0749153001[1]

ثلاث نقاط بارزة جدا استوقفتني في حياة الراحل الكبير مصطفى محمود رحمه الله.
1- الأولى: أنه لم يعش كما أسميها حياة (مستقيمة) -ليست بمعنى منحرفة- ولكن بمعنى حياة غير تقليدية غير هادئة فيها الكثير من العلو والهبوط والمنعرجات والمتحركات، حياة لا ثابتة، حياة مختلفة عن بقية القطيع (وهنا روعتها)،.. كان بإمكانه أن يدرس وهو المتفوق ويتفوق أكثر ويتخرج ويتزوج ويعمل ويفتتح عيادة ويكسب رزقه ويصبح ذو مال وذو جاه بمهارته الطبية ويتزوج وينجب أولاد وأحفاد ويصبح لديه أصهار وعائلة طويلة عريضة .. ثم يشيخ ويموت.. وانتهينا.. هذه هي الحياة القميئة – وهي الحياة التي يفاخر بها أكثر البشر ويسيرون عليها خصوصا “المتفوقين” منهم في الدراسة والعمل. لكنه اختار الأصعب والأسعد، وترك حياة الخاملين المتقوقعين الذين لا يتعدى نفعهم إلى غيرهم  وإن كانو “متميزين”!

2- الثانية: أنه لم يخضع لسلطة وعقول بعض ممن يسمون بعلماء الدين المحتكرين .. بل علم أن الإسلام أمره بالتفكر وإبداء الرأي على أساس الحرية المكفولة في ديننا، فأعمل عقله ولم يعطله ولم يتبع المذهب الفلاني والشيخ الفلاني.. فأبدع وأعجز ولاقى الكثير من الخصومات والمحن والتي لعلها أثرت على صحته وأودت أخيرا بحياته بعد معاناة طويلة مع مرضها.

3- الثالثة: أنه سلك طريق الشك للإيمان.. فأنتج إيمانا أقوى من الصلب.. إيمان يقارب إيمان الصالحين والأنبياء.. على طريقة سيدنا إبراهيم ومحمد صلى الله عليهم وسلم.. ذلك الشك الذي إن اجتزت دربه المظلم والمرعب والمحفوف بالمخاطر، فالسعادة كل السعادة في بلوغه.

وأي حلاوة ألذ وأطيب من طعم ثمره الذي أُخبرنا عنه والذي يتذوقه منا قليل من قليل من قليل.. ولعل مصطفى محمود وعلى درب المسيري رحمهما الله ذاقا هذه الثمرة وهذه الحلاوة، بعد أن توصلا إلى الحقيقة الكبرى بقلبهما وفكرهما وتأملهما و”تحنّفهما”..

أيضا مصطفى محمود لم يكن ثائراً بفكره على سلطة علماء الدين الإكليروسية فحسب بل على كل من يكبّل العقل سواءا كان نظام أو مدرسة أو طريقة أو حكومة، فهو ترك مدرسته ثائرا رغم توفقه بعد أن ضربه مدرس غبي خرج لتوه من أسمال التخلف العربي الثقيل والمجتمع المتأخر للوراء بأشواط بعيدة.

وهو هنا ذكرني بالعلاّمة المرحوم محمود شاكر رحمه الله عندما ترك الجامعة بعد أن رأى أستاذه القدوة والذي كان ينظر ليه نظرة المعلم المربي.. طه حسين.. رآه يسلك سبيلاً غير سبيل المنهج العلمي والأدبي ويسرق أفكار المستشرقين (مرجليوث) وينسبها لنفسه على ما فيها من عداء للدين وللعربية.. فترك الجامعة محتجا مصدوما وذهب خارج مصر مسافرا.. قبل أن يعود..

هؤلاء هم النجوم الذين لم يحيوا حياة طبيعية Typical كما يعُبّر البعض عنها.. ولم يرهنوا أنفسهم للتيار السائر وللمجتمع الطاغي بل كانوا خارجين دوما عن السرب بعقولهم الكبيرة وعلمهم الغزير..

تشارك مصطفى محمود مع المسيري أيضا بالنظرة التحليلية المتأملة لأصغر الأمور وأدقها من التي تمر علينا مرور الكرام وأخرج منها العجائب.

أدرك مصطفى محمود في نهاية عمره وبعد أن بلغ ما بلغ أن خدمة الفقراء والمساكين هي طريق مختصرة لرضى الله وغفرانه وتجاوز ما سلف منه من معاصي وذنوب فسلكها وأقام مسجدا للمصلين وعيادة للمرضى وجمعية للفقراء.. ولسوف يرضى بإذن الله..

لكنه قبل ذلك أقام مسجدا في عقله وفي صومعته الفكرية وفي حياته التي كانت مسجدا رحبا أدى فيها عبادة الله كما طلب منه وكما جعل غاية خلقه، خدم العلم وخدم الفكر وخدم الدين ثم ختمها بخدمة الفقراء والمساكين.

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

رحم الله مصطفى محمود وأجزل له العطاء وبلغه السعادة الأخروية بعد أن ذاقها في الأولى..وعوضنا بخير منه.

إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني إرسال هذه التدوينة بواسطة البريد الإلكتروني

مرئيات

تابع جديد المدونة

ألف كلمة

التدوينات إلى إيميلك

تصنيفات

أوسمة

آخر الآراء

التعليقات